كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
رواه مسلم.
وحديث "البينة على المدعي واليمين على من أنكر".
وحديث "لا يكمل إيمان المرء....."
__________
الإجماع على تحريمه بعينه، أو جنسه، أو بورود عقوبة أو وعيد عليه لا بنفسهما، فلا حجة فيه للمعتزلة في قولهم: العقل يميز الحسن من القبيح، حتى لو لم تبعث الرسل لعُلِمَ ذلك، وإنما بعثت لاختلاف العقول، بل الحسن ما حسَّنه الشرع، وكذلك القبيح، ثم التحريم إمَّا لمفسدة، أو مضَرَّة خفية، كالزنا، ومذكَّى المجوس، وإمَّا المفسدة، أو مضرة واضحة، كالسم والخمر، وتفصيله يطول, هذا والظاهر من مقابلة الحلال بالحرام شموله الواجب والمندوب والمباح والمكروه، وخلاف الأولى، كذا قيل، لكن وصفه ببَيِّن، بمعنى: ظاهر, يبعد ذلك؛ إذ لو بان ما كره، أو كان خلاف الأولى، "رواه مسلم" في البيوع، وكذا البخاري فيه، وفي كتاب الإيمان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي في البيوع، وابن ماجه في الفتن، فما هذا التقصير للمصنف في العزو، فلا أقلَّ من رواه الشيخان كلهم من حديث النعمان بن بشير، سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول ... فذكره مطولًا.
"وحديث: "البينة على المدعي"، وفي رواية: "على مَنْ ادَّعى"، وهو من يخالف قوله الظاهر، أو من لو سكت خلى، "واليمين على من أنكر" المدعَّى عليه به؛ لأن جانب المدعي ضعيف، فكلف حجة قوية هي البينة، وجانب المدعَّى عليه قوي، فقنع بحجة ضعيفة هي اليمين.
قال ابن العربي: وهذا الحديث من قواعد الشريعة التي ليس فيها خلاف، وإنما اختلف في تفاصيل الوقائع.
قال البيضاوي: والبينة في الأصل: الدلالة الواضحة التي تفصل الحق من الباطل، وقال غيره: هي ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل؛ بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده، ثم هذا الحديث رواه عبد الرزاق، والبيهقي، وابن عساكر، والدارقطني عن ابن عمرو بن العاص بزيادة: "إلا في القسامة".
قال الحافظ: وهو حديث غريب معلول، وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمر، وأيضًا بلفظ: "البينة على المدَّعى عليه"، وله شاهد عن ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما. "وحديث: "لا يكمل إيمان المرء" نقل بالمعنى لبيان المراد، وإلّا فرواية الصحيحين، وغيرهما: "لا يؤمن أحدكم"، وفي رواية: أحد، وفي رواية: عبد، وزاد مسلم أوله: "والذي نفسي بيده"، وقال الشراح: معناه: إيمانًا كاملًا، فالمراد بنفيه هنا نفي بلوغ حقيقته ونهايته, كخبر: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، ونفى اسم الشيء على معنى نفي الكمال مستفيض في كلامهم؛ كقولهم: فلان ليس بإنسان، ولا