كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)

حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه" رواه الشيخان.
__________
يرد استلزامه أنَّ فاعل ذلك يكمل إيمانه، وإن ترك بقية الأركان؛ لأن هذا ورد مورد المبالغة، ويستفاد من قوله لأخيه المسلم ملاحظة بقية صفات المسلم، وصرَّح في رواية ابن حبان بالمراد ولفظه: "لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان"؛ إذ معنى الحقيقة: الكمال ضرورة أنَّ من لم يتَّصف بهذه الصفة لا يكون كافرًا، "حتى يحب" بالنصب؛ لأن حتى جارَّة، وإن بعدها مضمرة، ولا يجوز الرفع، فتكون عاطفة لفساد المعنى؛ إذ عدم الإيمان ليس سببًا للمحبَّة، قاله الكرماني, "لأخيه" المسلم، كما زاده في رواية الإسماعيلي، ولعله غالبي، فالمسلم ينبغي حبه للكافر الإسلام وما يترتَّب عليه من خير وأجر، "ما يحب لنفسه" من الخير، كما في رواية النسائي، وابن منده، والإسماعيلي والقضاعي، فلا حاجة لقوله: بعضهم، وهو عام مخصوص؛ إذ الرجل يحب لنفسه وطء حليلته لا لغيره، والخير كلمة جامعة تعمّ الطاعات والمباحات الدينية أو الدنيوية، وتخرج المنهيات؛ لأن اسم الخير لا يتناولها، والمحبَّة إرادة ما يعتقده خيرًا.
قال النووي: المحبَّة الميل إلى ما يوافق المًحِب، وقد يكون بحواسِّه؛ كحسن الصورة، أو بعقله، إمَّا لذاته كالفضل والكمال، أو لإحسانه كجلب نفع ودفع ضر. انتهى.
والمراد هنا: الميل الاختياري دون الطبيعي والقسري، والمراد أيضًا نظير ما حصل له، لا عينه سواء، كان ذلك في الأمور المحسوسة والمعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له، مع سلبه عنه، ولا مع بقائه بعينه له؛ إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلين محال، قيل: وظاهر الحديث طلب المساواة، وحقيقته تستلزم التفضيل؛ لأن كل أحد يجب أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحب لأخيه مثاله، فقد دخل في جملة المفضولين.
قال الحافظ: أقرَّ عياض هذا وفيه نظر؛ إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة؛ لأن المقصود الحث على التواضع، فلا يكون أفضل من غيره، فهو مستلزم للمساواة، ويستفاد ذلك من قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا} [القصص: 83] ، ولا يتمّ ذلك إلا بترك الحسد والغل والحق والغش، وكلها خصال مذمومة.
قال الكرماني: ومن الإيمان أيضًا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره؛ لأن حب الشيء مستلزم لبعض نقيضه، فترك النص عليه اكتفاءً. انتهى، وذلك ليكون المؤمنون كنفس واحدة، ومن زعم كابن الصلاح أنَّ هذا من الصعب الممتنع، فقد غفل عن المعنى المراد، وهو أن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها، كما علم، وبه دفع زعم أنَّ هذه محبة عقلية لا تكليفية؛ لأن الإنسان جُبِلَ على حبّ الاستئثار، فتكليفه بأنه يحب له ما يحب لنفسه مفض لأن لا يكمل إيمان أحد إلّا نادرًا، ثم مقصود الحديث انتظام أحوال

الصفحة 405