كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
فالحديث الأول: يشتمل على ربع العبادات.
والثاني: على ربع المعاملات.
والثالث: على ربع الحكومات وفصل الخصومات.
والرابع: على ربع الآداب والمناصفات, ويدخل تحته التحذير من الجنايات.
__________
المعاش، والمعاد، والجري على قانون السداد {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] ، وعماد ذلك كله وأساسه السلامة من الأمراض القلبية، فالحاسد يكره أن يفوقه أحد، أو يساويه في شيء، والإيمان يقتضي المشاركة في كلّ خير من غير أن ينقص على أحد من نصيب أحد شيء، نعم، ومن كمال الإيمان تمنّي مثل فضائله الأخروية التي فارق عليها غيره، وقوله: {لا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} نهي عن الحسد المذموم، فإذا فارقه أحد في فضل ديني اجتهد في لحاقه، وحزن على تقصيره, لا حسدًا بل منافسة في الخير وغبطة، "رواه الشيخان"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أنس، لكن لفظ رواية مسلم: "حتى يحب لأخيه"، أو قال: جاره، ورواية البخاري وغيره: "لأخيه" بلا شَكٍّ.
"فالحديث الأوّل": "إنما الأعمال بالنية"، "يشتمل على ربع العبادات" عند بعضهم، ومنهم من قال -كالشافعي في إحدى الروايتين عنه: يدخل فيه نصف العلم، ووجَّهه المصنف فيما مَرَّ تبعًا لغيره، بأن للدين ظاهرًا وباطنًا، فالنية متعلقة بالباطن، والعمل هو الظاهر، وبأنَّ النية عبودية القلب، والعمل عبودية الجوارح، ومنهم من قال: ثلثه، كأحمد وابن مهدي، والشافعي في الرواية الثانية، ووجهه: أن الدين قول وعمل ونية.
"والثاني": "الحلال بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ " على ربع المعاملات"، كما نقل عن أبي داود.
وقال ابن العربي: جعلوا هذا الحديث ثلث الإسلام وربعه، وأكثروا في التقسيمات، وكلها تحكمات، تحتمل الزيادة والنقص، وبالجملة, فالمعاني مشتركة، ولو قيل: إنه نصف الإسلام لكان له وجه، ولو قيل: إنه جملة الدين لما عُدِمَ وجهًا.
قال القرطبي: لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلُّق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا، يمكن أن ترد جميع الأحكام إليه.
"والثالث" حديث البينة "على ربع الحكومات، وفصل الخصومات".
"والرابع: على ربع الآداب والمناصفات"، جمع مناصفة بمعنى إنصاف، أي: العدل في معاملة الإخوان بعضهم مع بعض، "ويدخل تحته التحذير من الجنايات"؛ لأنه إذا جنى على أخيه لم يحب له ما يحب لنفسه؛ إذ هو لا يحب أن أحدًا يجني عليه، ومنهم من عَدَّ حديث: