كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)

قال ابن المنير.
ومما عُدَّ أيضًا من أنواع بلاغته, كلامه -عليه الصلاة والسلام- مع كل ذي لغة بليغة بلغته اتساعًا في الفصاحة، واستحداثًا للألفة، فكان -صلى الله عليه وسلم- يخاطب أهل الحضر بكلام ألْيَن من الدهن وأرقّ من المزن، ويخاطب أهل البدو بكلام أرسى من الهضب وأرهف من العضب.
فانظر إلى دعائه لأهل المدينة حين سألوه ذلك فقال: "اللهمَّ بارك لهم في مكيالهم, وبارك لهم في صاعهم ومُدِّهم،
__________
"ازهد في الدنيا يحبك الله" رُبْعًا وأسقط البينة، وعدَّ حديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وأسقط حديث: "لا يؤمن...."، وفي ذلك البيتان المشهوران:
عمدة الدين عندنا كلمات ... مسندات من قول خير البرية
اتركنّ الشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملنّ بنية
"قال ابن المنير" في المقتفى: "ومما عُدَّ أيضًا من أنواع بلاغته, كلامه -عليه الصلاة والسلام- مع كل ذي لغة بليغة بلغته اتساعًا"، أي: زيادة "في الفصاحة، واستحداثًا للألفة" -بضم الهمزة وكسرها- كما يفيده المصباح، وهي الأنس والمحبَّة، "فكان -صلى الله عليه وسلم- يخاطب أهل الحَضَر بكلام أَلْيَنَ من الدهن، وأرق من المزن"، السحاب الأبيض، جمع مزنة، "ويخاطب أهل البدو" الملازمين للبادية، ولم يخالطوا أهل الحاضرة، حتى تفسد لغتهم، وليس المراد بهم الأخلاط الذين لا يحسنون اللغات "بكلام أرسى"، أثبت "من الهضب" جمع هضبة، وتُجْمَع أيضًا على هِضَاب، وجمع الجمع أهاضيب، كما في القاموس قائلًا، وهي: الجبل المنبسط على الأرض، أو جبل خلق من صخرة واحدة، والطويل الممتنع المنفرد، ولا يكون إلا في حُمُر الجبال، والمعنى: إنه يخاطبهم بكلام أثبت من الجبال الراسية في تمكُّنِه من اللغة لشدة فصاحته، "وأرهف من العضب" -بمهملة ومعجمة ساكنة- السيف القاطع، "فانظر إلى دعائه لأهل المدينة"، الذين هم أهل حضر، "حين سألوه ذلك"، أي: الدعاء، "فقال: "اللهمَّ بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم ومُدِّهم"، أي: فيما يكال بذلك.
قال الراغب: أصل البرك صدر البعير، وإن استُعْمِل في غيره, وبَرَك البعير ألقى بركه، واعتبر فيه معنى اللزوم، ومنه بركاء الحرب، لمكان تلزمه الأبطال، والبِرْكَة لمحبس الماء، والبَرَكَة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، قال تعالى: {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ} [الأعراف: 96]

الصفحة 407