كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
وفي حديث آخر: "اللهمَّ بارك لنا في تمرنا وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنَا, اللهمَّ إني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكَّة ومثله معه".
ثم انظر دعاءه لبني نهد وقد وفدوا عليه في جملة الوفود، فقام طهفة بن رهم
__________
لثبوت خيرها ثبوت الماء في البِرْكَة، والمبارك ما فيه ذلك الخير، ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحسّ على وجه لا يحصى ولا يحصر، قيل: لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة مبارك فيه بركة، وإلى هذه الزيادة أشير بحديث: "لا ينقص مال من صدقة"، لا إلى النقصان المحسوس، كما قال بعض الخاسرين، حين قيل له: ذلك بيني وبينك الميزان، وقوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} [الفرقان: 61] ، تنبيه على ما يفيض علينا بواسطة هذه البروج والنيرين المذكورة، وكل موضع ذكر فيه تبارك، فهو تنبيه على اختصاصه تعالى بالخيرات المذكورة، مع ذكر تبارك. انتهى، وهو تحقيق نفيس لا مزيد عليه.
"وفي حديث آخر" عند مسلم بمعناه: "اللهم بارك لنا في تمرنا، وبارك لنا في مدينتنا"، أي: كَثِّر خيرها، "وبارك لنا في صاعنا"، أي: فيما يكال بصاع مدينتنا، "وبارك لنا في مُدِّنَا"، أي: وفيما يكال به، ثم يحتمل كون البركة دينية، وتكون بمعنى الثبات، أي: ثَبِّتنا في أداء حقوق الحق المتعلقة بهذه المقادير، وكونها دنيوية، وتكون بمعنى الزيادة؛ بحيث يكفي المد فيها ما لا يكفي في غيرها، ويحتمل الأمرين معًا، "اللهمَّ إني أدعوك للمدينة" طيبة، "بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة" بقوله: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [إبراهيم: 37] الآية، "ومثله معه"، وفي رواية مسلم: "اللهم اجعل مع البركة بركتين"، وعند الترمذي: "أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مُدِّهِم وصاعهم مثل ما باركته لأهل مكة مع البركة بركتين، وتمسك بهذا من فضلها على مكة"؛ لأن التضعيف شامل للأمور الدينية أيضًا، "ثم انظر دعاءه لبني نهد" -بفتح النون، وسكون الهاء، ودال مهملة- قبيلة باليمن, الذين هم أهل بدو، أي: تأمَّل الفرق بينه وبين دعائه لأهل المدينة، حيث دعا لنهد بنوع ما جاءوا به، "وقد وفدوا عليه في جملة الوفود، فقام طهفة" -بكسر الطاء المهملة، وفتحها، وهاء ساكنة تليها فاء- كما قال ابن عبد البر، وضبطه غيره بالتحتية بدل الفاء، ويقال: بخاء معجمة بدل الهاء وبالفاء، ثم هاء تأنيف، ويقال: طغية بغين معجمة وياء، وقيل: طقفة بقاف، ثم فاء، ويقال: اسمه يعيش أو قيس "ابن رهم"، كذا في النسخ، والذي في الإصابة: طهفة بن أبي زهير، وقال أبو عمر: طهفة بن زهير. انتهى، فإن ثبت ما للمصنِّف، فيجوز أن أبا زهير اسمه "النهدي"، روى قصته هذه بطولها ابن الأعرابي في