كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها، وابعث راعيها في الدثر بيانع الثمر، وافجر له الثمد، وبارك له في المال والولد، من أقام الصلاة كان مسلمًا، ومن آتى الزكاة كان محسنًا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصًا، لكم يا بني نهد ودائع الشرك، ووضائع الملك، لا تلطط في الزكاة، ولا تلحد في الحياة،
__________
لهم في محضها ومخضها ومذقها"، متعلق ببارك، أي: اجعل البركة وزيادة الرزق وثباته مقسومًا وأصلًا لهم، "وابعث" أرسل "راعيها في الدثر" -بفتح المهملة وإسكان الثلثة وتفتح- المال الكثير، "بيانع الثمر" من إضافة الصفة للموصوف، أي: بالثمر اليانع، "وأفجر" -بضم الجيم "له" للراعي "الثمد" -بمثلثة مفتوحة وميم ساكنة وتفتح- الماء القليل، أي: كثره للراعي، وإذا كثر له كثر لغيره، فافجر مجاز عن معنى التكثير للزومه له غالبًا، "وبارك له في المال والولد"، عطف على ما قبله، أو على بارك الأوّل، والمال كل ما يتموّل ويُمْلَك، وهو في كلام العرب في الأكثر يُخْتَصُّ بالإبل، ويجوز إرادة كلٍّ منهما هنا, "من أقام الصلاة كان مسلمًا"، أي: كاملًا، كقوله: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من يده ولسانه"، أو المراد: يحكم بإسلامه الظاهر، أو المراد: الحث على إقامة الصلاة، أي: المداومة والمحافظة عليها، أو هو على ظاهره؛ لأنَّ مَنْ تَرَكَها مستحلًّا لتركها كَفَر، أو لأنَّ تاركها كافر في قول كثيرين منهم أحمد، وهو في حكم الكافر؛ لأنه يقتل، "ومن آتى" بالمد، أعطى وأدَّى "الزكاة كان محسنًا"، منعمًا متفضِّلًا على الفقراء، أو إتيانًا بأمر حسن، مطلوب في الدين، "ومن شهد أن لا إله إلا الله"، أي: أتى بكلمة التوحيد وأعلن بها، "كان مخلصًا" في إيمانه؛ لأن الظاهر مطابقة قوله لما في قلبه حملًا لأحوال المؤمن على الصلاح, والمراد بالإخلاص عدم النفاق.
وقيل: المراد من قال كلمة الشهادة، وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، كما يقال: قرأت {حم ?, وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} ، أي: السورة بتمامها, "لكم يا بني نهد ودائع الشرك" لكم خير مقدَّم للاهتمام، لا للحصر القلبي، بناءً على ما يأتي من تفسيره، وجملة النداء معترضة لبيان المخاطب, "ووضائع الملك"، بكسر الميم، على تفسيره الآتي: ما يلزم الناس في أموالهم من زكاة وصدقة، أي: يلزمكم من غير زيادة ولا نقص، أو بضم الميم، أي: ما كان ملوك الجاهلية يوظّفونه على الرعايا، ويستأثرون به من غنائم الحروب, لا يؤخذ منكم، فهو لكم "لا تلطط" -بضم الفوقية، وإسكان اللام، وكسر الطاء الأولى- مجزوم على النهي، "في الزكاة" متعلّق به، أي: لا تمنعها، "ولا تلحد" -بضم التاء والجزم، "في الحياة" , من أَلْحَدَ إذا جارَ وعدل عن الحق، أي: لا تملْ عن الحق ما دمت حيًّا، "ولا تتثاقل" بالجزم أيضًا، أي: لا تتوان وتتكاسل، "عن الصلاة" , كناية