كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
وأين ذلك من كتابه بين قريش والأنصار, إنهم أمّة واحدة دون الناس من قريش على رباعتهم، يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى، ويفكون عافيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وأن المؤمنين المتقين أيديهم على من بقى عليهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، وأن سلم المؤمنين واحد على سواء وعدل بينهم، وأن كل غازية غزت يعقب بعضهم
__________
ظهوره، حتى صار كالمحسوس الذي استحقَّ أن يشار إليه إشارة حسية، "وأين ذلك من كتابه بين قريش والأنصار, إنهم"، بكسر الهمزة، أي: الأنصار "أمّة واحدة دون الناس" حال من اسم إنّ "من قريش"، صفة لأمّة بعد صفة، أي: جزء منهم، كأبنائهم وإخوانهم على نحو: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، يعني: إن الأنصار دون غيرهم من الناس طائفة من قريش، فهو مبالغة في اتحادهم معهم، حتى كأنهم من نسلهم، "على رباعتهم" بكسر الراء- أي: على استقامتهم، يريد أنَّهم على أمرهم الذي كانوا عليه، ورباعة الرجل شأنه وحاله التي هو رابع عليها، أي: ثابت مقيم، قاله في النهاية، وهو خبر ثانٍ لأن, يعني: إن الأنصار مع قريش باقون على حالهم التي كانوا عليها من الإنجاد والمودَّة، "يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى"، يأتي بيانه، "ويفكون عافيهم" أي: أسيرهم؛ بأن يسعوا في خلاصه بمال، أو غيره، وكذا يخلصون من أصابه تعب، أو مشقَّة بحسب الطاقة "بالمعروف"؛ بحيث لا يرتكبون في ذلك محرمًا، بل يحافظون على إزالة تعب من أصابه مصيبة, مع رعاية قوانين الشرع.
"والقسط" بكسر القاف، اسم مصدر م أقسط إذا عدل، لا من قسط؛ لأن مصدره بالفتح, مشترك بين العدل والجور، والمراد هنا: العدل "بين المؤمنين، وأن المؤمنين المتقين أيديهم" قوتهم وسلطانهم بالقهر والغلبة، "على من بغى" تعدَّى "عليهم" وظلمهم، وقيد بالمتقين إشارةً إلى أن هذه حالة الكاملين، فمن اتصف بأصل الإيمان قد يرتكب الحرام، فيبغي ويخالف الحدود، فيمنع من ذلك، "أو ابتغى" طلب "دسيعة ظلم" بفتح الدال، وكسر السين المهملتين، فتحتية، فمهملة، ثم تاء التأنيث، أي: عظيمة من الظلم، فأضافه إليه على معنى من، ويجوز أن يراد بالدسيعة العطية، أي: ابتغى أن يدفع إليه عطية على وجه الظلم، أو أضافها للظلم؛ لأنها سبب الدفع، وقال أبو ذر: الدسيعة العطية، وهي ما يخرج من حلق البعير إذا رغا، فاستعاره هنا للعطية، وأراد به ما ينال من الظلم. ذكره في النور، "وإن سلم" بفتح السين وكسرها، يذكَّر ويؤنَّث- صلح "المؤمنين واحد على سواء، وعدل بينهم"، والمراد أن حالهم، وصفتهم حالة واحدة لا تختلف، بل هي على استقامة وعدل؛ بحيث لا يطلب أحد أن يتميز على غيره، "وإن كل" طائفة "غازية" اسم فاعل كراضية من غزا يغزو، وقصد العدوّ في بلاده، "غزت يعقب بعضهم