كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
بعضًا، ومن اعتبط مؤمنًا قتلًا فهو قَوْد إلّا أن يرضى ولي المقتول، ومن ظلم وأَثِمَ فإنه لا يوتغ إلا نفسه، وأولاهم بهذه الصحيفة البر المحسن".
كذا روي مختصرًا من حديث ابن شهاب.
وقوله: "دسيعة ظلم": أي عظيمة من الظلم.
"ورباعتهم" أمرهم القديم الذي كانوا عليه.
"ويتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى" أي:
__________
"بعضًا"، أي: يكون الغزو بينهم نوبًا، كما يأتي، "ومن اعتبط" -بعين مهملة- أي: ذبح "مؤمنًا" بلا جناية "قتلًا" مفعول مطلق؛ لأنه نوع منه، "فهو قَوْدٌ" جواب الشرط، وكان الظاهر أن يقال: يقتص منه، فأقيم السبب وهو القود، أي: الانقياد مقام السبب، أي: القصاص، قاله الطيبي، وفي النهاية، أي: قتله بلا جناية كانت منه ولا جريرة توجب قتله، فإن القاتل يُقَادُ به ويقتل، وكلُّ من مات بغير علة فقد اعتبط، ومات فلان عبطه أي: شابًّا صحيحًا.
وحديث أبي داود: "من قتل مؤمنًا فاعتبط بقتله, لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا" جعله الخطَّابي من ذلك، فقال: أي: قتله ظلمًا لا عن قصاص، ومقتضى تفسير غيره؛ أنه من الغبطة -بالغين المعجمة- وهي الفرح والسرور وحسن الحال؛ لأن القاتل يفرح بقتل خصمه، فإذا كان المقتول مؤمنًا وفرح بقتله, دخل في هذا الوعيد. انتهى ملخصًا، وهما روايتان في حديث أبي داود، كما في المنضدة، قائلًا: ورواية الإهمال أولى؛ لأنَّ القاتل ظلمًا عليه القَوْد هبه فرح بقتله أو لا. انتهى، فأمَّا حديثنا هذا فبالمهملة لا غير، "إلّا أن يرضى" بضم أوله, رباعي, فاعله هو, أي: القاتل، ومفعوله "ولي المقتول" بالعفو مجانًا، أو على مال، فلا قود على القاتل، ويجوز أن يرضى -بفتح أوله- ثلاثي، وفاعله ولي، كذا ذكر الضبطين في النور.
قال الطيبي: وهذا استثناء في الحقيقة من المسبب، "ومن ظلم وأثم فإنه لا يوتغ" بضم التحتية، وكسر الفوقية، وغين معجمة- أي: يهلك "إلا نفسه، وأَوْلَاهم بهذه الصحيفة البَرّ" التقيّ الصادق المطيع، "المحسن، كذا روي مختصرًا من حديث ابن شهاب" محمد الظهري، وذكره ابن إسحاق مطولًا في نحو ورقتين في مبحث الهجرة.
قال ابن سيد الناس: وأسنده ابن أبي خيثمة عن عمرو المزني، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار، فذكره مطولًا بنحوه، "وقوله: "دسيعة ظلم"، أي: عظيمة من الظلم"، فالإضافة على معنى مِن، ومَرَّ قريبًا بسطه، "ورباعتهم" أمرهم القديم الذي كانوا عليه"، يقال القوم على رباعهم ورباعتهم، أي: استقامتهم، "ويتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى" أي: