كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
وقد كان هذا من خصائصه -صلوات الله وسلامه عليه, أن يكلِّم كل ذي لغة بليغة بلغته, على اختلاف لغة العرب وتركيب ألفاظها وأساليب كلمها، كان أحدهم لا يتجاوّز لغته، وإن سمع لغة غيره فكالعجمية يسمعها العربي، وما ذلك منه -صلى الله عليه وسلم- إلّا بقوة إلهية وموهبة ربانية؛ لأنه بُعِثَ إلى الكافَّة طرًا، وإلى الناس سودًا وحمرًا، والكلام باللسان يقع في غاية البيان، ولا يوجد غالبًا متكلم بغير لغته إلا قاصرًا في الترجمة نازلًا عن صاحب الأصالة في تلك اللغة، إلّا نبينا وسيدنا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- كما تقدَّم، فإنه زاده الله تكريمًا وشرفًا, تكلم في كل لغة من لغة العرب أفصح وأنصع بلغاتها منها بلغة نفسها،
__________
العليا يد الفقير، لتحصيلها الثواب لصاحب المال، ودفع البلاء عنه، واختار بعض الصوفية، قال ابن قتيبة: وما أرى هذا إلّا كلام قوم استحبوا السؤال وحسَّنوه، وكله مضمحِّل بعد التصريح بتفسيره في الصحيح، وإن قيل: إنه مدرج، "وقد كان هذا من خصائصه -صلوات الله وسلامه عليه"، وأبدل من اسم الإشارة قوله: "أن يكلّم كل ذي لغة بليغة بلغته على اختلاف لغة العرب"، فكان يعلمها كلها، "وتركيب ألفاظها وأساليب كلمها"، فلمَّا كان كلام من تقدَّم على هذا الحد، وبلاغتهم على هذا النمط، وأكثر استعمالهم هذه الألفاظ استعملها معهم، فاستعمالها مع من هي لغتهم لا يخلّ بالفصاحة، بل هو من أعلى طبقاتها، وإن كان فيها ما هو غريب وحشي بالنسبة لغيرهم.
وقد نَصَّ الجاحظ في كتاب البيان على أنَّ كلام البادية الوحشي فصيح بالنسبة لهم، وإن أوهم كلام أهل المعاني خلافه، وأنه يحل بالفصاحة، "كان أحدهم لا يتجاوز لغته، وإن سمعت لغة غيره، فكالعجمية يسمعها العربي، وما ذلك منه -صلى الله عليه وسلم- إلّا بقوة إلهية وموهبة ربانية؛ لأنه بعث إلى الكافَّة طرًا، وإلى الناس سودًا وحمرًا"، فعَلَّمه الله جميع اللغات، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4] ، أي: لغتهم، فلمَّا بعثه للجميع علمه الجميع، "والكلام باللسان"، اللغة، "يقع في غاية البيان"، وقد قال تعالى: {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4] فلو كان بغيرها احتاج إلى ترجمان، فقد لا يقع به البيان، "ولا يوجد غالبًا متكلم بغير لغته، إلًا قاصرًا في الترجمة، نازلًا عن صاحب الأصالة في تلك اللغة، إلّا نبينا وسيدنا محمدًا -صلى الله عليه وسلم، كما تقدَّم، فإنه زاده الله تكريمًا وشرفًا، تكلم في كل لغة من لغة العرب"، بكلام "أفصح" حال، "وأنصع" بنون، وصاد، وعين مهملتين- أخلص "بلغاتها منها بلغة نفسها"، يعني: إنه أعرف بلغة العرب وأقدر عليها من أهلها، "وجدير" حقيق "به ذلك، فقد أوتي في سائر القوى" بالضم