كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)

وجدير به ذلك، فقد أوتي في سائر القوى البشرية المحمودية زيادة ومزية على الناس، مع اختلاف الأصناف والأجناس ما لا يضبطه قياس, ولا يدخل في تحقيقه إلباس.
وأما صوته الشريف، فعن أنس قال: ما بعث الله نبيًّا قط إلّا بعثه حسن الوجه حسن الصوت، حتى بعث الله نبيكم, فبعثه حسن الوجه حسن الصوت، رواه ابن عساكر.
وروي نحوه عن حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه.
__________
"البشرية المحمودة، زيادةً ومزيّة على الناس مع اختلاف الأصناف والأجناس، ما لا يضبطه قياس، ولا يدخل في تحقيقه إلباس" بموحدة وإشكال، "وأما صوته الشريف".
أي: صفته، فكان على غاية من الحسن والسعة، كما صرَّحت به الأحاديث لا حقيقته التي هي غرض يخرج من داخل الرئة؛ لأن الكلام في شمائله، ولذا أولنا في المبتدأ لا الخبر، ولا يردَّان كل حكم ورد على اسم، فهو على مدلوله إلّا لقرينة؛ لأن القرينة هنا صارفة عن إرادة الحقيقة، "فعن أنس قال": ظاهره أنه موقوف عليه؛ لكنه مرفوع حكمًا؛ إذ لا دخل فيه للرأي، "ما بعث الله نبيًّا قط إلا بعثه"، انظر ما نكتته، مع أنه يكفي إلّا "حسن الوجه، حسن الصوت"، ونبيًّا نكرة في سياق النفي، فعمومها شمولي، فوجه الإغياء في قوله: واستمرَّ ذلك في جميع الأنبياء "حتى بعث الله نبيكم"، إنه لما احتمل النفي العموم احتمالًا ظاهرًا، وعدمه مرجوحًا, قصد رفع الاحتمال المرجوح، واحتاج لقوله: "فبعثه حسن الوجه، حسن الصوت"؛ لأنه قد يتوهّم من عدم ظهور تمام حسنه، لحجبه بالجلال أنه دونهم، ولم ينبه في هذا الحديث على أنه أحسن منهم في الأمرين، مع أنه لواقع الجوار أن المقام مقام إثبات المساواة، ردًّا على زاعم أنه دونهم، وهذا من البلاغة التي هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، واكتفاءً بما علم أنه إذا شارك غيره في شيء فاق عليه فيه، وهذا أحسن، وهذا كله بالنظر لهذا اللفظ الذي "رواه ابن عساكر"، وإلا فقد رواه الرمذي من حديث أنس نفسه بلفظ: ما بعث الله نبيًّا إلا حسن الوجه، حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا، وأحسنهم صوتًا، فعلى المؤلف المؤاخذة في ترك الترمذي من وجهين: أحدهما: إن الحديث إذا كان في أحد الستة لا يعزى لغيرها، كما قال مغلطاي. ثانيهما: إن لفظه أصرح في الدلالة على المراد من لفظ ابن عساكر، "وروي نحوه من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه".
قال الحافظ: وأمَّا قوله في حديث المعراج في يوسف: "فإذا أنا برجل حسن ما خلق الله،

الصفحة 444