كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
وروي أنه كان إذا تكلَّم ريء كالنور يخرج من ثناياه.
وقد كان صوته -عليه الصلاة والسلام- يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره. فعن البراء قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أسمع العواتق في خدورهنّ. رواه البيهقي.
وقالت عائشة -رضي الله عنها: جلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة على المنبر فقال للناس: اجلسوا، فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في بني غنم, فجلس في مكانه، رواه أبو نعيم.
وقال عبد الرحمن بن معاذ
__________
قد فضل الناس بالحسن، كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، رواه البيهقي والطبري وابن عائذ؛ ليحمل على أنَّ المراد غير النبي -صلى الله عليه وسلم، ويؤيده القول بأنَّ المتكلم لا يدخل في عموم خطابه، وقوله في رواية مسلم: "فإذا هو قد أعطي شطر الحسن" حمله ابن المنبر على أنَّ المراد أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا -صلى الله عليه وسلم.
"وروي" عند الترمذي، والدارمي، والطبراني عن ابن عباس "أنه" -صلى الله عليه وسلم- "كان" أفلج الثنيتين "إذا تكلّم" خبر ثانٍ لكان "ريء" بكسر الراء، بزنة قيل على الأفصح، ويقال: بضم الراء، وكسر الهمزة، وبني للمجهول إيماءً إلى أنَّ الرواية لا تختص بأحد دون أحد، ولذا لم يقل: إذا تكلَّم يخرج "كالنور"، أي: شعاع مثله، فالكاف، بمعنى مثل، فلا حاجة لتقدير شيء "يخرج من" بين "ثناياه"، إما من الثنايا نفسها، أو من داخل الفم، وطريقه من بينهما لمعجزة له، وهو نور حسيّ لا معنوي، والمراد: لفاظه بالقرآن أو السنة، كما زعم؛ لأنه خلاف المتبادر من قوله: ريء، وهو زائد على حسن الصوت، "وقد كان صوته -عليه الصلاة والسلام- يبلغ حيث" أي: مكانًا "لا يبلغه صوت غيره"، فحيث هنا، بمعنى المكان مجرَّدة عن الظرفية.
"فعن البراء قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم" فعلا صوته "حتى أسمع العواتق" جمع عاتق، وهي الشابّة أوّل ما تدرك، وقيل: التي لم تبن من والديها، ولم تتزوج، وقد أدركت وشبّت, وتجمع أيضًا على عتق، كما في النهاية "في خدورهنَّ" جمع خدر، أي: ستر، ويطلق على البيت إن كان فيه امرأة، وإلّا فلا، "رواه البيهقي"، وخصَّهن بالذكر لبعدهنَّ واحتجابهنَّ في البيوت، فسماعهنَّ آية علوّ صوته زيادة على غيره، "وقالت عائشة -رضي الله عنها: جلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة على المنبر، فقال للناس: "اجلسوا" فسمعه عبد الله بن رواحة" الأنصاري "وهو في بني غنم" بمعجمة مفتوحة، فنون ساكنة، فميم- بطن من الخزرج بالمدينة، ونسخة تميم تحريف، "فجلس في مكانه" مبالغةً في امتثال أمره -صلى الله عليه وسلم، مع أنه ليس مأمور بذلك؛ إذ قصده أمره الحاضرين للخطبة بالجلوس، "رواه أبو نعيم، وقال عبد الرحمن بن معاذ" بن عثمان بن