كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)

التيمي: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنى، ففتحت أسماعنا -وفي لفظ: ففتح الله أسماعنا- حتى إن كنَّا لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا. رواه ابن سعد.
وعن أم هانيء قالت: كنَّا نسمع قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- في جوف الليل عند الكعبة، وأنا على عريشي، رواه ابن ماجه.
وأما ضحكه -عليه الصلاة والسلام، ففي البخاري عن عائشة: ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مستجمعًا قط ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يبتسم،
__________
عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مُرَّة بن كعب بن لؤيّ القرشي "التيمي" بن عم طلحة بن عبد الله, قال البخاري وغيره: له صحبة، وعدَّه ابن سعد من مسلمة الفتح، "خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنى، ففتحت" أي: فتح الله -كما في الرواية التالية "أسماعنا" حتى كنَّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا. الحديث، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وأخرج البخاري عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "بمثل حصى الخذف فارموا"، "وفي لفظ: ففتح الله أسماعنا"، بأن خلق فيها قوة سمع زيادة على معتادها، فكأنها كانت مغلقة ففتحت، فشبَّه الأسماع بأبواب مغلقة، وأثبت لها الفتح تخييلًا، فهو استعارة بالكناية تخييلية، "حتى" غاية, لقد رأى، فقويت حتى, "إن كنَّا" مخفَّفة من الثقيلة، بدليل اللام في "لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا، رواه ابن سعد" بهذا اللفظ، وإلّا فقد رواه بلفظ: ففتحت، بالبناء للمجهول, الأئمة لذين رأيت.
"وعن أم هانيء، قالت: كنا نسمع قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- في جوف الليل عند الكعبة"، متعلق بقراءة: "وأنا على عريشي" أي: سريري، وحمله عليه أبلغ من سقف بيتي، كما هو أحد معاني العريش، كالعرش في القاموس أيضًا، فسماعها له، وهي على سريرها، داخل بيتها البعيد عن محل القراءة، دليل على قوته، "رواه ابن ماجه"، وفي الصحيحين عن البراء: قرأ -صلى الله عليه وسلم- في العشاء: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين: 1] ، فلم أسمع صوتًا أحسن منه، وروى أبو الحسن بن الضحاك عن جبير بن مطعم: كان -صلى الله عليه وسلم- حسن النغمة، وفي حديث أم معبد: كان في صوته صحل. رواه ابن عساكر وغيره بفتح المهملتين، ولام- شبه البحة، وهي غلظ الصوت.
قال ابن الأثير: بالتحريك كالبحَّة، وأن لا يكون حادّ الصوت، وفي رواية: صهل -بهاء بدل الحاء- وهو قريب منه؛ لأنه صوت الفرس وهو يصهل بشدة وقوة، "وأمَّا ضحكه -عليه الصلاة والسلام"، قال في القاموس: ضحك ضحكًا -بالفتح، وبالكسر، وبكسرتين- ككتف, "ففي البخاري عن عائشة: ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مستجمعًا قط ضاحكًا" ضحكًا تامًّا؛ بحيث ينفتح فمه، "حتى أرى منه لهواته" غاية لضاحكًا، "إنما كان يتبسَّم".

الصفحة 446