كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)

عن مثل حب الغمام، أي: يبدي أسنانه ضاحكًا، وحب الغمام: البرد.
وقال الحافظ بن حجر: والذي يظهر من مجموع الأحاديث: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسّم، وربما زاد على ذلك فضحك. قال: والمكروه من ذلك إنما هو إكثار منه, أو الإفراط فيه؛ لأنه يذهب الوقار.
وقال ابن بطال: والذي ينبغي أن يقتدى به من أفعاله ما واظب عليه من ذلك.
وقد روى البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه عن أبي هريرة رفعه: "لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب".
__________
أفرها فرًا، إذا كشفت شفتها لتعرف سنها، وافتر يفتر افتعل منه, انتهى. فقول الشامي -بضم الفوقية- سبق قلم أو من النساخ، "عن مثل حب الغمام" متعلق بيفتر، "أي: يبدي أسنانه ضاحكًا، وحب الغمام" السحاب واحده غمامة، كسحابة "البرد" بفتحتين- الجامد المعروف، لا قطر الماء كما توهّم؛ لأنه مع عدم مناسبته لا يسمّى حبًّا؛ إذ الحب الجامد لا السائل, شبَّه به أسنانه في صفاته وبياضه، ولمعانه، ورطوبته، دون جريه, حتى يقال: إنه كنوع منه.
"وقال الحافظ بن حجر: والذي يظهر من مجموع الأحاديث، أنه -صلى الله عليه وسلم- كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم, ربما زاد على ذلك فضحك"، وظاهره أنه لم يقهقه البتة.
"قال: والمكروه من ذلك إنما هو إكثار منه، أو الإفراد فيه؛ لأنه يذهب الوقار" الحلم والرزانة والعظمة، وهذا جواب عمَّا يقال: صرَّح الفقهاء بكراهة الضحك، وقد فعله -صلى الله عليه وسلم.
"وقال ابن بطال: والذي ينبغي أن يقتدى به من أفعاله ما واظب عليه من ذلك" وهو التبسم، فيقتصر عليه، وضحكه لبيان أنه ليس بحرام "وقد روى البخاري في" كتاب "الأدب المفرد" الذي أفرده بالتأليف، احترازًا عن كتاب الأدب من صحيحه، "وابن ماجه عن أبي هريرة رفعه: "لا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب"؛ إذ هي تورّث قسوته، وهي مقضية إلى الغفلة، وليس موته إلّا لغفلة، قاله الطيبي.
وقال الغزالي: كثرة الضحك والفرح بالدنيا سمّ قاتل يسري إلى العروق، فيُخْرِج من القلب الخوف والحزن وذكر الموت وأهوال القيامة، هذا هو موت القلب، وزاد الطبراني من حديث أبي ذر: وتذهب بنور الوجه، أي: إشراقه وضيائه، وقال الماوردي: اعتياد الضحك شاغل عن النظر في الأمور المهمة، مذهل عن الفكر في النوائب الملمّة، وليس لمن أكثر منه هيبة ولا وقار، ولا لمن وسم به خطر ولا مقدار.

الصفحة 449