كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)

وقال أبو هريرة: وإذا ضحك -صلى الله عليه وسلم- يتلألأ في الجدر. رواه البزار والبيهقي، أي: يضيء في الجدر -بضم الجيم والدال- جمع جدار وهو الحائط, أي: يشرق نوره عليها إشراقًا كإشراق الشمس عليها.
وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا كان حديث عهد بجبريل لم يبتسم ضاحكًا حتى يرتفع عنه، بل كان إذا خطب أو ذكر الساعة اشتدَّ غضبه, وعلا صوته, كأنَّه منذر جيش, يقول: "صبحكم ومساكم" رواه مسلم.
وكان بكاؤه -عليه الصلاة والسلام- من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة, ولكن تدمع عيناه حتى ...
__________
"وقال أبو هريرة" في حديث: "وإذا ضحك -صلى الله عليه وسلم- يتلألأ في الجدر. رواه البزار والبيهقي، أي: يضيء" تفسير يتلألأ "في الجدر -بضم الجيم والدال- جمع جدار، وهو الحائط، أي: يشرق نوره عليها إشراقًا كإشراق الشمس عليها، وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا كان حديث" قريب "عهد بجبريل لم يبتسم ضاحكًا، حتى يرتفع عنه" بحيث لا يراه إعظامًا له بترك الاشتغال بشيء يشغله عنه، أو اعتبارًا، وتفكر فيما فيما أتاه به، "بل" انتقالية، "كان إذا خطب" وعظ "أو ذكر الساعة" القيامة "اشتدَّ غضبه" لله -سبحانه وتعالى- على من خالف زواجره.
قال القاضي عياض: يغني بشدته أن صفته صفة الغضبان، وهذا شأن المنذر المخوف، ويحتمل أنه نهي خولف فيه شرعه، وهكذا تكون صفة الواعظ مطابقة لما يتكلم به. قال النووي: أو كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا. زاد في رواية: واحمرَّت عيناه، "وعلا صوته"، أي: رفعه ليؤثِّر وعظه في خواطر الحاضرين حتى "كأنه منذر" محذر "جيش" أي: كمن ينذر قومًا ن جيش عظيم قصدوا الإغارة عليهم، فإن المنذر المعلم يعرف القوم بما يدهمهم من عدو أو غيره، وهو المخوف حال كونه "يقول: "صبَّحكم" بفتح الصاد، والباء المشدَّدة- أي: أتاكم الجيش وقت الصباح، "ومسَّاكم" بالفتح مثقلًا- أتاكم وقت المساء.
قال الطيبي: شبَّه حاله في إنذاره وخطبته بقرب يوم القيامة، وتهالك الناس فيما يرد بهم بحال من ينذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منهم، ويقصد الإحاطة بهم بغتة؛ بحيث لا يفوته منهم أحد، فكما أن المنذر يرفع صوته، وتحمرّ عيناه، ويشتدّ غضبه على تغافلهم؛ فكذا حاله -صلى الله عليه وسلم- عند الإنذار، وفيه أنّه يسنّ للخطيب تفخيم أمر الخطبة، ورفع صوته، وتحرك كلامه، ويكون مطابقًا لما يتكلم به من ترغيب وترهيب، "رواه مسلم" من حديث جابر بن سمرة"؛ "وكان بكاؤه -عليه الصلاة والسلام" وقياس ما مَرَّ أن يقول: وأما بكاؤه فكان "من جنس ضحكه, لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عيناه حتى

الصفحة 450