كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)

وبأنه عَبْل الذراعين رحب الكفَّين.
وقد مسح -صلى الله عليه وسلم- خد جابر بن سمرة قال: فوجدت ليده بردًا وريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار، رواه مسلم.
وفي حديث وائل بن حجر عند الطبراني والبيهقي: لقد
__________
وذلك جمال في الرجال؛ لأنه أشد لقبضهم، ويذمّ في النساء، وفُسِّرَ أيضًا في النهاية وغيرها بغلظ الأنامل بلا قصر، والأنامل عقد الأصابع، فلا منافاة، نعم على تخصيص الأنامل برءوس الأصابع يتنافيان، "وبأنه عبل" بفتح العين وسكون الموحدة تليها للام- أي: قويّ "الذراعين" ضخمهما, تثنية ذراع، وهو ما بين مفصل الكف والمرفق، أو من المرفق إلى أطراف الأصابع، كذا ضبطه بعضهم، بإسكان الباء، فإن كان الرواية، وإلّا، ففيه أيضًا كسر الباء بزنة فرخ "رحب" بفتح فسكون، "الكفين"، أي: واسعهما.
قال ابن الأثير: يكنّون بذلك عن السخاء والكرم. وقال التجاني، أي: كبيرهما، وهو على ظاهره من كبر الجوارح؛ لدلالته على كمال الخلق, بخلاف صغرهما.
قال: والحق أنَّه إن كان في بيان الخلق -بالفتح- فلا مناسبة للكناية، أو الخللق -بالضم- فله مناسبة، وقال غيره: رحبهما حسًّا ومعنًى، وقصره على الحقيقة، أو جعله كناية فقط تقصيرًا، لكن هذا وإن كان حسنًا لا يناسب المقام؛ لأن الكلام مسوق لبيان صفاته الصورية، إلّا أن يقال: الكناية لا تنافي إرادة المعنى، "وقد مسح -صلى الله عليه وسلم- خَدَّ جابر بن سمرة" تأنيسًا وشفقة وتبريكًا، قال جابر: صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم، وأنا معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدَّيْ أحدهم واحدًا واحدًا، "قال": وأمَّا أنا فمسح خدي، "فوجدت"، أي: أحسست "ليده"، أي: كفّه وما قاربها "بردًا" حقيقيًّا؛ لرواية: أبرد من الثلج، لا لعارض مَسّ ماء، وهذا ممدوح عند العرب، لا سما في الزمن الحار، ولا بعد في أنه خاص به مع كمال حرارته الغريزية، وقيل: هو عبارة عن لين كفة ورطوبته، والأقرب أنه بمعنى الراحة واللذة والطيب.
قال في النهاية: كل محبوب عندهم بارد، وبرد الظل طيب العيش، والغنيمة الباردة الهنية، "وريحًا, كأنما أخرجها" أي: اليد؛ لأنها مؤنثة "من جؤنة عطار" بضم الجيم، وسكون الهمزة- ويقال: بواو ساكنة، تليها نون، وهاء تأنيث- شبه صندوق صغير مغشَّى بجلد، وزند مستدير يضع العطار فيها عطره، وهو كل ما طابت رائحته، أي: كان ريحها ريح ما أخرج من جؤنة العطار مضمخًا بالعطر، والجملة صفة ريحًا أو مستأنفة، "رواه مسلم" في الصحيح، "وفي حديث وائل بن حجر" بمهملة مضمومة فجيم ساكنة- الحضرمي "عند الطبراني، والبيهقي: لقد

الصفحة 452