كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)

فاعلم أنَّ القلب مضغة في الفؤاد معلَّقة بالنباط، فهو أخصّ من الفؤاد. قاله الواحدي، وسُمِّيَ به لتقلبه بالخواطر والعزوم، قال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب
وقال الزمخشري: مشتق من التقلُّب الذي هو المصدر لفرط تقلبه،
__________
يثبت لغيره، فجواب أمَّا محذوف، وإذا أردت معرفة القلب من حيث هو، وموضعه، "فاعلم"، فالفاء فصيحة في جواب شرط مقدّر، وصدَّر هذا المبحث بمقدمة كلية عنونها بالأمر بالعلم، تنبيهًا على جلالة ما فيه من الأبحاث دون بقية الجوارح، "إن القلب مضغة" بميم، ومعجمة- وفي نسخة: بضعة -بموحدة مثلثة، ومعجمة، ومهملة- وهما بمعنى قطعة, "في الفؤاد، معلقة بالنباط" بكسر النون- عرق متصل بالقلب، كما في المصباح، "فهو أخصّ من الفؤاد"، أي: أشرف منه؛ لأنه قصد به حفظ القلب، فالقلب المقصود، وليس المراد الأخصّ المقابل للأعمّ؛ لأنه بعض أفراد العام، ولا يستقيم على ما ذكره المقتضي تباينهما ضرورة تباين الظرف لمظروفه في متعددات، لا في شيء واحد، "قاله الواحدي، وسمي به لتقلبه بالخواطر"، أي: ما يعرض له من أوّل أحواله قبل التصميم عليه، فشمل الأربع التي قبل العزم، الخاطر والهاجس وحديث النفس والهمّ، بدليل مقابلته بقوله: "والعزوم" بالجمع على أمر واحد؛ لأدلة مختلفة كان يتردَّد في أمر، ويظهر له صواب فيصمم عليه، ثم يظهر له خلافه فيعزم عليه، ويعرض عن الأوَّل، وهكذا، كما يقع للمجتهدين، أو المراد: العزم على أمور متباينة يتعلّق بها نظره؛ ليفعلها في أوقات مختلفة، فالجمع باعتبار أفراد العزوم في متعددات، لا في شيء واحد، "قال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه
بكسر النون- كما في القاموس، بناءً على قول الكوفيين، مشتَقّ من النسيان, فالهمزة زائدة، فوزنه: أفعان على النقص، وفي نسخة: لأنسه على قول البصريين، من الأنس، فالهمزة أصل، ووزنه فعلان، واتفقوا على زيادة النون الأخيرة، "ولا القلب، إلّا أنه" بفتح الهمزة- بتقدير اللام، أي: لأنه "يتقلّب"، فهذا سبب التسمية دون ملاحظة اشتقاق من شيء؛ إذ لا يلزم من حكمة التسمية اشتقاقه من مصدرها، كتسمية الوالد الذي فيه حمرة أحمر، فلذا عقبه بالنص عليه بقوله.
"وقال الزمخشري: مشتَقٌّ من التقلُّب الذي هو المصدر"، فرُوعِيَ فيه أخذه منه للمناسبة بينهما، أي: إنه اعتبر لتسمية المضغة قلبًا، ووجود التقلّب في مسمّاه، لا أنه جزء من مدلوله؛ بحيث ينتفي بانتفائه، ولا يلزم منه تسمية كل متقلب قلبًا؛ لأن الاشتقاق قد يختص ببعض الأشياء كالقارورة، وقد يطَّرِد, كاسم الفاعل "لفرط تقلبه"، أي: تنقّله مع حركته نفسه، أي: اضطرابه عند رجفه مثلًا، أو المراد تنقله من خاطر لآخر مع بقاء ذاته, والأوّل أظهر لمخالفته لما قلبه في

الصفحة 464