كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)

قال بعض العلماء: ولقد خلق الله تعالى الإنسان، وجعل له قلبًا يعقل عنه، وهو أصل وجوده، إذا صلح قلبه صلح سائره، وإذا فسد قلبه فسد سائره، وجعل سبحانه القلوب محل السر والإخلاص الذي هو سر الله يودعه قلب من شاء من عباده، فأوّل قلب أودعه إليه قلب محمد -صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أوّل خلق, وصورته -صلى الله عليه وسلم- آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء، فهو أولهم وآخرهم.
وقد جعل -سبحانه وتعالى- أخلاق القلوب للنفوس أعلامًا على أسرار القلوب، فمن تحقَّق قلبه بسر الله اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله، ولذلك جعل الله تعالى لمحمد -صلى الله عليه وسلم- جثمانية
__________
وفي تمريضه عدم ارتضائه، وفي البيضاوي: {لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} ، أي: قلب واعٍ يتفكَّر في حقائقه، "قال بعض العلماء: ولقد خلق الله تعالى الإنسان، وجعل له قلبًا يعقل عنه"، أي: يدرك الإنسان إدراكًا ناشئًا عن تصرّف القلب، ففاعل يعقل الإنسان, وعنه متعلّق بمقدر فسَقَط، ما عساه يقال: الأَوْلَى أن يقول به لا عنه؛ لأنه مبني على أن فاعل يعقل القلب، "وهو أصل" أي: سبب وجوده" على الحالة المأمور بها، "إذا صلح" بضم اللام، وفتحها "قلبه صلح سائره"، وحسنت حاله، واعتدَّ بوجوده، فكأنه أحياه من العدم، "وإذا فسد قلبه فسد سائره"، وفسدت أحواله، وكأنه مات، وإليه أشار في حديث: "ألا وأن في لجسد مضغة؛ إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجد كله, ألا وهي القلب"، "وجعل سبحانه القلوب محل السر والإخلاص الذي هو سِرّ الله يودعه قلب من شاء من عباده، فأوّل قلب أودعه إليه قلب محمد -صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أول خلق"، أي: مخلوق، "وصورته -صلى الله عليه وسلم- آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء، فهو أوّلهم"، أي: المتقدِّم عليهم بوجود صورته النورية قبل خلق الأشياء كلها، "وآخرهم" ظهورًا لهذا العالم؛ إذ لا نبي بعده، "وقد جعل الله -سبحانه وتعالى- أخلاق القلوب للنفوس أعلامًا على أسرار القلوب، فمن تحقَّق قلبه بسر الله"، أي: من أودع الله تعالى سره في قلبه، بحيث يكون منقادًا، باطنًا لأوامره، متباعدًا عن نواهيه، "اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله"، فيعاملهم برفق ولينٍ على مقتضى الحال، فيعامل كل إنسان بما يليق بحاله بغاية الرفق، حتى العصاة ينهاهم عن معصيتهم ببيان ما يضرهم وما ينفعهم، كما قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ} [آل عمران: 159] الآية، فإذا لم يفد في كفهم عن المعاصي إلّا الزجر الشديد، عاملهم به، وأقام عليهم الحدود ليكفهم عن العود إلى ما صدر منهم، وذلك من سعة الخلق؛ لأنه نفع لهم، بل قتال الكفار والبغاة من سعة الخلق.
"ولذلك جعل الله تعالى لمحمد -صلى الله عليه وسلم- جثمانية" بضم الجيم، وإسكان المثلثة- أي:

الصفحة 466