كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
ورفع له ذكره.
وقد صحَّ أن جبريل -عليه السلام- شقَّه واستخرج منه علقة, فقال له: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه فأعاده في مكانه. قال أنس: فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره. رواه مسلم.
وإنما خلقت هذه العلقة في ذاته الكريمة ثم استخرجت منه؛ لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقها تكملة للخلق الإنساني فلابُدَّ منها، ونزعها أمر رباني طرأ بعد ذلك، قاله السبكي.
__________
كما يأتي للمصنف، "ورفع له ذكره"، فلا يذكر الله ألا ويذكر معه، وهذا صريح في أنَّ هذه الأحوال؛ إنما حصلت له بعد الإسراء، وإن نزل: {أَلَمْ نَشْرَحْ} بعده، وقد نَصَّ المفسِّرون على أنها مكية، وهو محتمل لنزولها بعد الإسراء وقبله، "وقد صحَّ أن جبريل -عليه السلام- شَقَّه"، أي: قلبه، "واستخرج منه علقة"، وفي رواية: مضغة سوداء فرمي بها، ولا تنافي، فقد تكون العلقة لكبرها تشبه المضغة، "فقال له: هذا حَظّ الشيطان منك"، أي: هذا هو الموضع الذي يتوصّل الشيطان منه إلى وسوسة الناس، ولا ينافيه قوله: منك؛ لجواز تقدير مضاف، أي: من مثلك من بني آدم، كذلك تكلفه شيخنا، ولا حاجة له مع التصريح بنزعها منه؛ وأنه في حالة الطفولية، وهو يلعب مع الغلمان، كما في مسلم، "ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، فأعاده في مكانه، قال أنس" راوي الحديث: "فلقد كنت أرى أثر المخيط" بكسر الميم- ما يخاط به "في صدره"، وظاهره أنه بآلة، وإنَّ الشق كذلك بآلة، ويدل له قول الملك في حديث أبي ذر: خَطّ بطنه فخاطه، وفي حديث عتبة: حصه فحاصه، وقد وقع السؤال عن ذلك، ولم يجب عنه أحد، ولم أر من تعرّض له بعد التتبع، وأمَّا قوله: فأتيت بالسكينة فوضعت في صدري، فالصواب كما قال ابن دحية: تخفيف السكينة، لذكرها بعد شق البطن خلافًا للخطابي، ذكره الشامي "رواه مسلم".
وكذا الإمام أحمد عن أنس، "وإنما خلقت هذه العلقة في ذاته الكريمة، ثم استخرجت منه؛ لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية" التي اقتضت الحكمة وجودها في الإنسان، وإن لم يحصل بعدمها نقص في صورته ظاهرًا، "فخلقها تكملة للخلق الإنساني فلابُدَّ منها، ونزعها أمر رباني طرأ بعد ذلك" الخلق، فإخراجها بعد خلقها دَلَّ على مزيد الرفعة وعظيم الاعتناء والرعاية من خلقه بدونها، "قاله السبكي" جوابًا لمن سأله عن حكمة ذلك، وقال غيره: لو خلق سليمًا منها لم يكن للآدميين اطِّلاع على حقيقته، فأظهره الله على يد جبريل ليتحقَّقوا كمال