كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
وعند أحمد وصححه الحاكم: "ثم استخرجا قلبي فشقَّاه, فأخرجا منه علقتين سوداوين, فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء وثلج, فغسلا به جوفي, ثم قال: ائتني بماء برد, فغسلا قلبي, ثم قال: ائتني بالسكينة فذراها في قلبي, ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه فحاصه, وختم عليه بخاتم النبوة".
__________
باطنه، كما برز لهم مكمل الظاهر، "وعند أحمد، وصحَّحه الحاكم" من حديث عتبة بن عبد، عن النبي -صلى الله عليه وسلم، قال: "كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابنٍ لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت: يا أخي, اذهب فأتنا بزاد من عند أمِّنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل إلي طيران كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو، قال: نعم، فأقبلا يبتدراني، فأخذاني، فبطحاني للقفا، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين"!.
قال الشامي: إحداهما محلّ غمز الشيطان، والأخرى منشأ الدم الذي قد يحصل منه أضرار في البدن، وعلى هذا، فلا حاجة لما أجيب به عن حديث العلقتين، باحتمال أنها علقة واحدة انقسمت عند خروجها قسمين، فسمِّي كل جزء منهما علقة مجازًا، "فقال أحدهما لصاحبه: "ائتني بماء وثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد" بفتحتين- أي: مطر، وهو حب الغمام، "فغسلا قلبي"، قال السهيلي: حكمة ذلك ما يشعر به من ثلج اليقين وبرده على الفؤاد، ولذا حصل له اليقين بالأمر الذي يراد به بواحدنية ره، "ثم قال: ائتني بالسكينة" بالتخفيف, "فذراها" بذال معجمة- بثَّاها "في قلبي"، وفي حديث أبي ذر عند البزار، وغيره، وصحَّحه الضياء: "ثم دعا بسكينة، كأنها برهرهة بيضاء، فأدخلت قلبي"، قال السهيلي: البرهرهة بصيص البشرة، وزعم الخطابي أنه أراد بها سكينة بيضاء صافية، الحديد متمسكًا بأنه عثر على رواية فيها: "فدعا بسكينة كأنها درهمة بيضاء"، قال ابن الأنباري: هي السكينة المعوجّة الرأس التي تسميها العامّة المنجل -بالجيم, قال ابن دحية.
والصواب: السكينة بالتخفيف؛ لذكرها بعد شق البطن، فإنما عني بها فعيلة، من السكون والطمأنينة، وهي أكثر ما تأتي في القرآن، "ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه" بحاء مهملة مضمومة، بعدها صاد مهملة- أي: خطه, "فحاصه"، أي: خاطه, يقال: حاص الثوب يحوصه حوصًا إذا خاطه، وهذا لفظ رواية عتبة بن عبد، وفي رواية أبي ذر: "خطه فخاطه" بالخاء المعجمة- نقل فيهما، فما في نسخ هنا، بالخاء المعجمة، نقل بالمعنى، "وختم عليه بخاتم النبوة"، وتقدَّم الكلام فيه مستوفي بالمقصد الأول.