كتاب شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (اسم الجزء: 5)
بالشرح في الآية: ما يرجع إلى المعرفة والطاعة, ثم ذكروا في ذلك وجوهًا منها: أنه لما بعث الأحمر والأسود من جني وإنسي, أخرج تعالى عن قلبه جميع الهموم، وانفتح صدره حتى اتسع لجميع المهمات، فلا يقلق ولا يضجر, بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر, مشتغل بإداء ما كُلِّف.
فإن قلت: لم قال: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} ولم يقل: قلبك.
وأجيب: بأنّ محل الوسوسة الصدر، كما قال تعالى: {يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} [الناس: 5] فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح، لا جرم خصَّ ذلك الشرح بالصدر دون القلب.
وقد قال محمد بن علي الترمذي: القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذي يقصده الشيطان، يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب, فإذا دخل مسلكًا أغار فيه, وأنزل جنده فيه, وبث فيه الهموم والغموم والحرص, فيضيق القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوة، وإذا طرد العدو في الابتداء حصل الأمن
__________
في الآية: ما يرجع إلى المعرفة والطاعة"، فكأنه قيل: ألم نفتح ونوسع ونليّن قلبك بالإيمان والنبوة والعلم، والحكمة، وبهذا جزم البغوي.
"ثم ذكروا في ذلك وجوهًا منها: أنه لما بعث الأحمر والأسود"، كما في الحديث، فقيل: المراد العرب والعجم، وقيل: الإنس والجن، وعليه جرى في قوله: "من جنىّ وإنسي, أخرج تعالى عن قلبه جميع الهموم، وانفتح صدره حتى اتَّسع جميع المهمات، فلا يقلق ولا يضجر، بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر، مشتغل بأداء ما كُلِّف، فإن قلت: لم قال: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} ، ولم يقل: قلبك" مع إن الشرح، أي: الشق وقع فيه، "أجيب بأن محلّ الوسوسة الصدر، كما قال تعالى: {يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} [الناس: 5] فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح" الحقيقي، "لا جرم" حقًّا، "خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب، وقد قال محمد بن علي" الحكيم، "الترمذي"، الحافظ، الزاهد، الواعظ، صاحب التصانيف: "القلب محل العقل والمعرفة"، كما عليه جماهير العلماء والأئمة، خلافًا لمن قال: محله الرأس، كالفلاسفة وبعض الأئمة، "وهو الذي يقصده الشيطان، يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب، فإذا دخل مسلكًا أغار فيه، وأنزل جنده فيه، وبثَّ فيه الهموم والغموم والحرص، فيضيق القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة" إذا أتى بها، "ولا للإسلام حلاوة"، كما يجد ذلك الصديقون المتمكنون، "وإذا طرد العدو في الابتداء حصل الأمن، وزال