كتاب شرح المفصل لابن يعيش (اسم الجزء: 5)

بإدخال النون وتخليصِه للاستقبال، إذ لو قلت: "إنَّ زيدًا لَيقومُ"، جاز أن يكون للحال والاستقبال بمنزلةِ ما لا لامَ فيه. فإذا قلت: "إنّ زيدًا لَيقومنّ"، كان هذا جوابَ قسم، والمرادُ: الاستقبال لا غير. وذهب أبو عليّ إلى أنّ النون هنا غيرُ لازمة، وحكاه عن سيبويه، قال: ولَحاقُها أكثرُ. والسيرافيّ وجماعةٌ من النحويين يرون أنّ لحاق النون يقع لازمًا للفصل الذي ذكرناه، وهو الظاهر من كلام سيبويه (¬1)، ودْلك قوله: إِنّ اللام إنّما لزمت اليمينَ كما لزمت النون اللامَ، وهذا نصٌّ منه.
ومن ذلك فعل الأمر والنهي والاستفهام، تقول في الأمر: "اضربَنَّ زيدًا"، وفي النهي: "لا تضربَنَّ زيدًا". قال الله: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا} (¬2) وقال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (¬3). وتقول في الاستفهام: "هل تضربنّ جعفرًا؟ " قال الشاعر [من الطويل]:
وإيّاك والمَيْتاتِ لا تَقرَبَنَّها ... ولا تَعْبُدِ الشيْطانَ واللهَ فاعْبُدا (¬4)
فقال: "لا تقربنّها" بالنون الشديدة في النهي، وقال: "والله فاعبدا"، فأتى بالنون الخفيفة مع الأمر، ثمَّ وقف فأبدل منها الألفَ. وتقول في الاستفهام: "هل تقولَنَّ ذلك؟ " قال الأعشى [من المتقارب]:
1204 - وهل يَمنَعَنِّي ارتِيَادُ البلادِ ... مِن حَذَرِ الموتِ أنّ يَأتِيَن
والأصل دخولها على الأمر والنهي للتوكيد. والاستفهامُ مضارعٌ للأمر؛ لأنّه واجبٌ، وفيه معنى الطلب. فإذا قلت: "هل تفعلنَّ كذا؟ " فإنّك تستدعي منه تعريفَك كما يستدعي الآمِرُ الفعلَ. وكان يونس (¬5) يجيز دخولَ هذه النون في العَرْض، فيقول: "ألا
¬__________
(¬1) انظر الكتاب 3/ 109.
(¬2) الكهف: 23.
(¬3) يونس: 89.
(¬4) تقدم بالرقم 276.
1204 - التخريج: البيت للأعشى في ديوانه ص 65؛ والدرر 5/ 151؛ والمقاصد النحوية 4/ 324؛ والمحتسب 1/ 349؛ وبلا نسبة في همع الهوامع 2/ 78.
الإعراب: "وهلْ": الواو: بحسب ما قبلها، "هل": حرف استفهام. "يمنعني": فعل مضارع مبني على الفتح، والنون: للتوكيد، والنون الثانية للوقاية. والياء: ضمير في محلّ نصب مفعول به. "ارتياد": فاعل مرفوع، وهو مضاف. "البلاد": مضاف إليه مجرور بالكسرة. "من حذر": جار ومجرور متعلّقان بـ "ارتياد". "الموت": مضاف إليه مجرور. "أن": حرف مصدري ناصب. "يأتين": فعل مضارع منصوب. والنون: للوقاية، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره: "هو". والياء المحذوفة للتخفيف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والأصل: "يأتيني".
وجملة "هل يمنعني": بحسب ما قبلها. والمصدر المؤول من "أن" وما بعدها مفعول به ثانٍ للفعل (يمنع). وجملة "يأتي": صلة الموصول الحرفى لا محلّ لها من الإعراب.
والشاهد فيه قوله: "هل يمنعنّي" حيث أكّد الفعْل المضارع بنون التوكيد لوقوعه بعد استفهام.
(¬5) الكتاب 3/ 514.

الصفحة 167