وقد تدخل هذه النون مع النفي تشبيهًا له بالنهي؛ لأنّ النهي نفيٌ، كما أنّ الأمر إيجابٌ، فتقول من ذلك: "ما يخرجنّ زيدٌ". قال الشاعر [من الطويل]:
وَمِن عِضَةٍ مَا يَنْبُتَنَّ شَكِيرُها (¬1)
وقد جاء في النفي بـ "لَمْ" لوجود صورة النفي. قال الشاعر [من الرجز]:
1206 - يَحسبه الجاهلُ مالم يَعْلَما ... شَيْخًا على كُرْسِيّه مُعَمَّما
أراد النون الخفيفة، فأبدل منها الألفَ للوقف، وفي ذلك ضعفٌ على أنّ المضارع مع "لم" بمعنى الماضي، والماضي لا تدخله النونُ ألبتّة.
وقوله: "وفيما يقاربه" يريد أنّ "قَلَّمَا" لمَّا كُفّت بـ "ما"، ودخلت على الفعل في "قلَّما يفعلُ"، وأُجري نفيًا، وغلب ذلك فيه، ضارَعَ الحرفَ، فلم يقتض الفاعلَ كما لا يقتضيه الحرفُ. ولذلك لا يقع إلَّا صدرًا, ولا يكون مبنيًّا على شيء. فأمّا "كَثُرَ ما يقولنّ ذلك"، فلمّا كان خلافه، أُجرى مجراه كـ"صَدْيانَ" و"رَيَّانَ" ونحوِ ذلك ممّا كثُر تَعدادُه ممّا أجري مجرى خلافه، فاعرفه.
¬__________
(¬1) تقدم بالرقم 1017.
1206 - التخريج: الرجز للعجّاج في ملحق ديوانه 2/ 331؛ وله أو لأبي حيّان الفقعسيّ أو لمساور العبسيّ، أو للدبيريّ أو لعبد بني عبس في خزانة الأدب 11/ 409، 411؛ وشرح شواهد المغني 2/ 973؛ والمقاصد النحوية 4/ 80؛ ولمساور العبسيّ أو للعجاج في الدرر 5/ 158؛ ولأبي حيان الفقعسي في شرح التصريح 2/ 205؛ والمقاصد النحوية 4/ 329؛ وللدبيري في شرح أبيات سيبويه 2/ 266؛ وبلا نسبة في الإنصاف 1/ 409؛ وخزانة الأدب 8/ 388، 451؛ ورصف المباني 33، 335؛ وسرّ صناعة الإعراب 2/ 679؛ وشرح الأشموني 2/ 498؛ وشرح ابن عقيل 546؛ والكتاب 3/ 516.
المعنى: يصف الراجز وطبًا للّبن، فيقول: إنّ الجاهل حين يراه، والرغوة تعلوه، يظنّه شيخًا معمّمًا جالسًا على كرسيّ.
الإعراب: "يحسبه": فعل مضارع مرفوع، والهاء: ضمير في محلّ نصب مفعول به أوّل. "الجاهل": فاعل مرفوع بالضمّة."ما": مصدريّة. "لم": حرف جزم. "يعلما": فعل مضارع مبنيّ على الفتح لاتّصاله بنون التوكيد المنقلبة ألفًا للوقف، وهو في محلّ جزم، وفاعله ضمير مستتر تقديره: هو، والمصدر المؤول من "ما" وما بعدها في محلّ نصب مفعول فيه ظرف زمان متعلق بـ "يحسب". "شيخًا": مفعول به ثانٍ منصوب. "على كرسيّه": جار ومجرور متعلّقان بمحذوف نعت "شيخ"، وهو مضاف، والهاء: ضمير متّصل في محلّ جرّ بالإضافة. "معمّما": نعت "شيخ" منصوب.
جملة "يحسبه الجاهل شيخًا": ابتدائية لا محلّ لها من الاعراب.
والشاهد فيه قوله: "لم يعلما" يريد: "لم يعلمن"، حيث أكّد الفعل المضارع بنون التوكيد الخفيفة المقلوبة ألفًا بعد النفي بـ "لم"، تشبيهًا لها بـ "لا" الناهية، وهذا قليل.