كتاب شرح المفصل لابن يعيش (اسم الجزء: 5)

وإذا دخلت اللام على الماضي، فلا يحسن إلَّا أن يكون معه "قَدْ"، كقولك: "والله لقد قام زيدٌ"؛ لتقريبها له من الحال. قال الله تعالى: {تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ} (¬1)، وقال الله تعالى: {تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} (¬2). ويجوز: "والله لقام"، وليس بالكثير. ومنه قوله [من البسيط]:
إذًا لَقامَ بنَصْرِي مَعْشَرٌ خُشُنٌ ... عند الحَفِيظَة إنْ ذُو لُوثَةٍ لاَنا (¬3)
وقال امرؤ القيس [من الطويل]:
حَلَفْتُ لها باللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ ... لَنامُوا فما إنْ مِن حَدِيثٍ ولا صالِ (¬4)
ولم تدخل النون مع الماضي؛ لأنّ النون في غير القسم لا تدخل إلَّا على المستقبل دون الماضي والحالِ، فإذا دخلت للقسم، فهي أيضًا للمستقبل.
وأمّا "إنَّ"، فتختصّ بالاسم، كقولك: "واللَّهِ إنّ زيدًا قائمٌ". قال الله تعالى: {حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} (¬5)، وقال تعالى: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (¬6)، وقال: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} (¬7) بعد قوله: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} (¬8). فالجواب بالفعل واقعٌ على الفعل، والجوابُ بـ "إنَّ" واقع على الخبر؛ لأنّه في معنى الفعل.
وأمّا جواب النفي، فـ "بما" و"لا"، نحو قولك: "والله ما قام زيدٌ"، و"واللَّهِ لا يقوم زيدٌ". وفي التنزيل: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} (¬9)، وقال سبحانه: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} (¬10)، وفيه: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا} (¬11). وفيه من الجواب بـ "لا" نحو قوله: {لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ} (¬12)، فقوله: "لا يخرجون"، و"لا ينصرونهم" جوابُ قسم محذوف، وليسا بجواب الشرط بدليل ثبوت النون. ولو كانا جواب الشرط، لانجزما.
وأمّا حذفُ "لا" في جواب القسم، فنحو قولك: "واللَّهِ يقوم زيدٌ"، والمراد: لا يقوم, لأنّه تخفيف لا يُوقِع لَبْسًا، إذ لو كان إيجابًا، لكان بحروفه اللازمة له من اللام ونون التوكيد، وفي التنزيل: {قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} (¬13)، أي: لا تفتأ تذكر. قال الهُذَليّ [من البسيط]:
تَاللَّهِ يَبْقَّى على الأيّام مُبْتَقِلٌ ... جَوْنُ السَّراةِ رَباعٍ سِنُّهُ غَرِدُ (¬14)
¬__________
(¬1) يوسف: 73.
(¬2) يوسف:91.
(¬3) تقدم بالرقم 129.
(¬4) تقدم بالرقم 1192.
(¬5) الدخان: 1 - 3.
(¬6) العصر: 1 - 2.
(¬7) العاديات: 6.
(¬8) العاديات: 1.
(¬9) الأنعام: 23.
(¬10) إبراهيم: 44.
(¬11) التوبة: 74.
(¬12) الحشر: 12.
(¬13) يوسف: 85.
(¬14) تقدم بالرقم 1029.

الصفحة 252