كتاب تفسير القرطبي (اسم الجزء: 5)

النِّسَاءُ بِبُعْدِ الرِّجَالِ، فَفَعَلُوا وَطَالَ ذَلِكَ بِهِمْ، فَاشْتَغَلَ الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ (. وَقَدْ تَقَدَّمَ «1»، ذِكْرُهُ الْمَاوَرْدِيُّ. السَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:) وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا) شَرْطٌ (فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) جَوَابُهُ. وَهَذَا خِطَابٌ لِلْأَزْوَاجِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَشِحَّ وَلَا يُحْسِنَ، أَيْ إِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ بِإِقَامَتِكُمْ عَلَيْهِنَّ مَعَ كَرَاهِيَتِكُمْ لِصُحْبَتِهِنَّ وَاتِّقَاءِ ظُلْمِهِنَّ فَهُوَ أفضل لكم.

[سورة النساء (4): آية 129]
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (129)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) أَخْبَرَ تَعَالَى بِنَفْيِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي الْعَدْلِ بَيْنَ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ فِي مَيْلِ الطَّبْعِ بِالْمَحَبَّةِ وَالْجِمَاعِ وَالْحَظِّ مِنَ الْقَلْبِ. فَوَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى حَالَةَ الْبَشَرِ وَأَنَّهُمْ بِحُكْمِ الْخِلْقَةِ لَا يَمْلِكُونَ مَيْلَ قُلُوبِهِمْ إِلَى بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ). ثُمَّ نَهَى فَقَالَ: (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ). قَالَ مُجَاهِدٌ: لَا تَتَعَمَّدُوا الْإِسَاءَةَ بَلِ الْزَمُوا التَّسْوِيَةَ فِي الْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ، لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يُسْتَطَاعُ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا فِي (الْأَحْزَابِ «2») مَبْسُوطًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَرَوَى قَتَادَةُ عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ). قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ) أَيْ لَا هِيَ مُطَلَّقَةٌ وَلَا ذَاتُ زَوْجٍ، قَالَهُ الْحَسَنُ. وَهَذَا تَشْبِيهٌ بِالشَّيْءِ الْمُعَلَّقِ من شي، لِأَنَّهُ لَا عَلَى الْأَرْضِ اسْتَقَرَّ وَلَا عَلَى مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ انْحَمَلَ، وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي قَوْلِهِمْ فِي الْمَثَلِ: (ارْضَ مِنَ الْمَرْكَبِ بِالتَّعْلِيقِ). وفي عرف النحويين فمن «3» تعليق
__________
(1). راجع ج 4 ص 292.
(2). راجع ج 14 ص 214
(3). في اوز وط: في تعليق. [ ..... ]

الصفحة 407