كتاب تفسير القرطبي (اسم الجزء: 5)

[يَا رَسُولَ «1» اللَّهِ] أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: (أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ (. وَفِي رِوَايَةٍ (وَمَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ). الْإِسَاءَةُ هُنَا بِمَعْنَى الْكُفْرِ، إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهَا [هُنَا «2»] ارْتِكَابُ سَيِّئَةٍ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَلَّا يَهْدِمَ الْإِسْلَامُ مَا سَبَقَ قَبْلَهُ إِلَّا لِمَنْ يُعْصَمُ مِنْ جَمِيعِ السَّيِّئَاتِ إِلَّا حِينَ مَوْتِهِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَمَعْنَى: (ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً) أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ. (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ) يُرْشِدَهُمْ. (سَبِيلًا) طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ. وَقِيلَ: لَا يَخُصُّهُمْ بِالتَّوْفِيقِ كَمَا يَخُصُّ أَوْلِيَاءَهُ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ رَدٌّ عَلَى أَهْلِ الْقَدَرِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَهْدِي الْكَافِرِينَ طَرِيقَ خَيْرٍ لِيَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَنَالُ الْهُدَى بِاللَّهِ تَعَالَى، وَيُحْرَمُ الْهُدَى بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا. وَتَضَمَّنَتِ الْآيَةُ أَيْضًا حُكْمَ الْمُرْتَدِّينَ، وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِمْ فِي (الْبَقَرَةِ «3») عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ «4» مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ).

[سورة النساء (4): آية 138]
بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138)
التَّبْشِيرُ الْإِخْبَارُ بِمَا ظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَى الْبَشَرَةِ، وَقَدْ تقدم بيانه في (البقرة «5») ومعنى النفاق.

[سورة النساء (4): آية 139]
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (الَّذِينَ) نَعْتٌ لِلْمُنَافِقِينَ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ عَمِلَ مَعْصِيَةً مِنَ الْمُوَحِّدِينَ لَيْسَ بِمُنَافِقٍ، لِأَنَّهُ لَا يَتَوَلَّى الْكُفَّارَ. وَتَضَمَّنَتِ الْمَنْعَ مِنْ مُوَالَاةِ الْكَافِرِ، وَأَنْ يُتَّخَذُوا أَعْوَانًا عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاتِلُ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ: (ارْجِعْ فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ). (الْعِزَّةَ) أَيِ الْغَلَبَةُ، عَزَّهُ يعزه
__________
(1). الزيادة عن صحيح مسلم وط.
(2). من ج وط.
(3). راجع ج 3 ص 47. [ ..... ]
(4). بفك الإدغام قراءة نافع. راجع ج 3 ص 40.
(5). راجع ج 1 ص 198، 238

الصفحة 416