كتاب تفسير القرطبي (اسم الجزء: 5)

فِي مِلْكِ «1» مُشْرِكٍ يُذِلُّهُ وَيُخَارِجُهُ، وَقَدْ صَارَ بِالْإِسْلَامِ عَدُوًّا لَهُ. وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: يُبَاعُ النَّصْرَانِيُّ مِنْ مُسْلِمٍ فَيُعْتِقُهُ، وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلَّذِي اشْتَرَاهُ وَأَعْتَقَهُ، وَيُدْفَعُ إِلَى النَّصْرَانِيِّ ثَمَنُهُ. وَقَالَ سُفْيَانُ وَالْكُوفِيُّونَ: إِذَا أَسْلَمَ مُدَبَّرُ النَّصْرَانِيِّ قُوِّمَ قِيمَتَهُ فَيُسْعَى فِي قِيمَتِهِ، فَإِنْ مَاتَ النَّصْرَانِيُّ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ الْمُدَبَّرُ مِنْ سِعَايَتِهِ عتق العبد وبطلت السعاية.

[سورة النساء (4): آية 142]
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ)
قَدْ مَضَى فِي (الْبَقَرَةِ) مَعْنَى الْخَدْعِ «2». وَالْخِدَاعُ مِنَ اللَّهِ مُجَازَاتُهُمْ «3» عَلَى خِدَاعِهِمْ أَوْلِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ. قَالَ الْحَسَنُ: يُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ مُؤْمِنٍ ومنافق نور يوم القيامة فيفرج الْمُنَافِقُونَ وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا، فَإِذَا جَاءُوا إِلَى الصِّرَاطِ طُفِئَ نُورُ كُلِّ مُنَافِقٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: (انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ «4»). قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى)
أَيْ يُصَلُّونَ مُرَاءَاةً وَهُمْ مُتَكَاسِلُونَ مُتَثَاقِلُونَ، لَا يَرْجُونَ ثوابا ولا يعتقدون على تَرْكَهَا عِقَابًا. وَفِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ: (إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْعَتَمَةُ وَالصُّبْحُ). فَإِنَّ الْعَتَمَةَ تَأْتِي وَقَدْ أَتْعَبَهُمْ «5» عَمَلُ النَّهَارِ فَيَثْقُلُ عَلَيْهِمْ الْقِيَامُ إِلَيْهَا، وَصَلَاةُ الصُّبْحِ تَأْتِي وَالنَّوْمُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ، وَلَوْلَا السَّيْفُ مَا قَامُوا. وَالرِّيَاءُ: إِظْهَارُ الْجَمِيلِ لِيَرَاهُ النَّاسُ، لَا لِاتِّبَاعِ أَمْرِ اللَّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ «6». ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِقِلَّةِ الذِّكْرِ عِنْدَ الْمُرَاءَاةِ وَعِنْدَ الْخَوْفِ. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَامًّا لِمَنْ أَخَّرَ الصَّلَاةَ: (تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ- ثَلَاثًا- يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشيطان- أوعلى قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا) رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ. فَقِيلَ: وَصَفَهُمْ بِقِلَّةِ الذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ بِقِرَاءَةٍ وَلَا تَسْبِيحٍ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَذْكُرُونَهُ بِالتَّكْبِيرِ. وَقِيلَ: وَصَفَهُ بِالْقِلَّةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُهُ. وَقِيلَ: لِعَدَمِ الْإِخْلَاصِ فِيهِ. وهنا مسألتان:
__________
(1). كذا في ج وط وى وز. وفي اوح: يد.
(2). راجع ج 1 ص 195.
(3). في ج: مجازاته.
(4). راجع ج 17 ص 245 ففيه بحث.
(5). في ج وط وى: أنصبهم.
(6). راج ج 3 ص 312

الصفحة 422