كتاب تفسير القاسمي = محاسن التأويل (اسم الجزء: 5)

وقال الراغب: سميت بذلك للاجتزاء بها عن حقن دمهم.
وقال الشهاب: قيل مأخذها من (الجزاء) بمعنى القضاء. يقال: جزيته بما فعل، أو جازيته. أو أصلها الهمز من (الجزء والتجزئة) ، لأنها طائفة من المال يعطى.
وقيل: إنها معرب (كزيت) وهو الجزية بالفارسية. انتهى.
وقوله تعالى: عَنْ يَدٍ حال من فاعل يُعْطُوا و (اليد) هنا إمّا بمعنى الاستسلام والانقياد، يقال: هذه يدي لك، أي استسلمت إليك، وانقدت لك، وأعطى يده أي انقاد. كما يقال في خلافه: نزع يده من الطاعة. لأن من أبى وامتنع، لم يعط يده، بخلاف المطيع المنقاد، وإما بمعنى النقد، أي حتى يعطوها نقدا غير نسيئة، فيكون ك (اليد) في
قوله صلّى الله عليه وسلّم «1» : «لا تبيعوا الذهب والفضة ... إلى قوله (يدا بيد) » .
وإما بمعنى الجارحة الحقيقة، و (عن) بمعنى الباء، أي لا يبعثون بها عن يد أحد، ولكن عن يد المعطي إلى يد الآخذ. وإما بمعنى: من طيبة نفس قال أبو عبيدة: كل من انطاع لقاهر بشيء أعطاه، من غير طيب نفس به وقهر له، من يد في يد، فقد أعطاه عن يد (مجاز القرآن ج 1 ص 256) . وإما بمعنى الجماعة، أنشد ابن الأعرابي:
أعطى فأعطاني يدا ودارا ... وباحة حوّلها عقارا
ومنه
الحديث «2»
(وهم يد على من سواهم)
أي هم مجتمعون على أعدائهم، يعاون بعضهم بعضا- قاله أبو عبيد- وإما بمعنى الذل- نقله ابن الأعرابي وحكاه وجها في الآية-.
هذا إن أريد باليد يد المعطي. وإن أريد بها يد الآخذ، فاليد إما بمعنى القوة، أي عن يد قاهرة مستولية ويقولون: ما لي به يد أي قوة. وإما بمعنى السلطان، وهو كالذي قبله، ومنه يد الريح سلطانها. قال لبيد:
نطاف أمرها بيد الشّمال
__________
(1) أخرجه البخاري في: البيوع، 78- باب بيع الفضة بالفضة، 79- باب بيع الدينار بالدينار نسئا، حديث رقم 1097 عن أبي سعيد الخدري.
وأخرجه مسلم في: المساقاة، حديث 76 وانفرد مسلم بقوله (إلا يدا بيد) .
(2) أخرجه ابن ماجة في: الديات، 31- باب المسلمون تتكافأ دماؤهم، حديث رقم 2683 عن ابن عباس.

الصفحة 379