كتاب الطبقات الكبرى ط العلمية (اسم الجزء: 5)

مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَأَصْحَابُهُ حَجُّوا وَمُحَمَّدٌ يَحْتَمِلُ مؤونتهم. وَيَحْمِلُهُمْ وَيَكْلَفُ لَهُمْ.
فَقَالَ: مَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُعَانَ مُحَمَّدٌ عَلَى هَذَا الَّذِي يَصْنَعُ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ مِنْ سَاعَتِهِ فَدَفَعَهَا مُحَمَّدٌ إِلَى غُلامِهِ وَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ. أَلَمْ أَقُلْ لَكَ اشْتَرِ لَنَا مَا أَمَرْتُكَ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِهَذَا. وَقَدْ أَتَانَا اللَّهُ بِمَا تَرَى. فَاذْهَبْ فَاشْتَرِ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ. قَالَ: حَدَّثَنِي مُنْكَدِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ. عَنْ أَبِيهِ.
قال: أمحلنا بالمدينة إمحالا شديدا. وتوالت سنون. قال محمد: فو الله إِنِّي لَفِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ شَطْرِ اللَّيْلِ. وَلَيْسَ فِي السَّمَاءِ سَحَابٌ. وَأَنَا فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ وَرَجُلٌ أَمَامِي مُتَقَنِّعٌ بِرِدَاءٍ عَلَيْهِ. فَأَسْمَعُهُ يُلِحُّ فِي الدُّعَاءِ إِلَى أَنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَقْسِمُ عَلَيْكَ أَيْ رَبِّ قَسَمًا وَيُرَدِّدُهُ. قَالَ: فَمَا زَالَ يُرَدِّدُ هَذَا الْقَسَمَ أَيْ رَبِّ مِنْ ساعتي هذه. قال: فو الله إِنْ نَشِبْنَا حَتَّى رَأَيْنَا السَّحَابَ يَتَأَلَّفُ وَمَا رَأَيْنَا ذَلِكَ فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً وَلا شَيْئًا. ثُمَّ مَطَرَتْ فَسَحَتْ. فَكَانَتِ السَّمَاءُ عُزَالَى. وَأَوْدَعَتْ مَطَرًا مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ! فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ لا هَدْمَ فِيهِ وَلا غَرَقَ. وَلا بَلاءَ فِيهِ وَلا مَحْقَ. قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ الإِمَامُ مِنَ الصُّبْحِ. وَتَقَنَّعَ الرَّجُلُ مُنْصَرِفًا. وَتَبِعْتُهُ حَتَّى جَاءَ زُقَاقَ اللَّبَّادِينَ فَدَخَلَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ سَأَلْتُ عَنْهُ. قَالُوا: هَذَا زِيَادٌ النَّجَّارُ. هَذَا رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ فِرَاشٌ. إِنَّمَا هُوَ يُكَابِدُ اللَّيْلَ صَلاةً وَدُعَاءً. وَهُوَ مِنَ الدَّعَّائِينَ. وَكُلُّ عَمَلٍ عَمَلُهُ أَخْفَاهُ جَهَدَهُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ. [فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ الله. ص: رُبَّ ذِي طِمْرَيْنِ خَفِيٌّ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ] .
قَالَ مُحَمَّدٌ: فَرَأَيْتُنِي بَعْدَ ذَلِكَ أُخَالِفُهُ. فَكَرِهَ بَعْضَ مَا ذَكَرْتُ لَهُ. وَقَالَ: اطْوِ هَذَا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. فَإِنَّمَا جَزَاؤُهُ عِنْدَ الَّذِي عَمِلْنَاهُ لَهُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: فَمَا ذَكَرْتُهُ بَعْدَ أَنْ نَهَانِي بِاسْمِهِ. وَقُلْتُ: رَجُلٌ كَذَا لِيَرْغَبَ رَاغِبٌ فِي الدُّعَاءِ وَيَعْلَمَ أَنَّ فِي النَّاسِ صَالِحِينَ.
أَخْبَرَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى. قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بن أَنَسٍ: أَنَّهُ رَأَى مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ فِي ثَوْبَيْنِ مُوَرَّدَيْنِ وَثَوْبَيْنِ بِزَعْفَرَانٍ لَيْسَا نَظِيفَيْنِ.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أويس. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُقَاتِلٍ الْقُشَيْرِيُّ خَالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ. قَالَ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يُصَلِّي وَأَزْرَارُ قَمِيصِهِ مَحْلُولَةٌ.

الصفحة 360

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text