كتاب الكامل في التاريخ - العلمية (اسم الجزء: 5)

@ 353 @
قلت المقام بمكة فما بقي في مستمتع لشيء ولا بلاغ فاذن لي فسرت إلى مكة قال لم تطل أيامه بها حتى مات
وكان يعقوب قد ضجر بموضعه قبل حبسه وكان أصحاب المهدي يشربون عنده فكان يعقوب ينهاه عن ذلك ويعظه ويقول ليس على هذا استوزرني ولا عليه صحبتك بعد الصلوات الخمس في المسجد الجامع يشرب عندك النبيذ فضيق على المهدي حتى قيل
( فدع عنك يعقوب بن داود جانبا ... وأقبل على صهباء طيبة النشر )
وقال يعقوب يوما للمهدي في أمر أراده هذا والله السرف فقال المهدي ويحك يت يعقوب إنما يحسن السرف بأهل الشرف ولولا السرف لم يعرف المكثرون من المقلين
$ ذكر عدة حوادث $
وفي هذه السنة سار المهدي إلى جرجان وجعل على قضائه أبا يوسف يعقوب إبراهيم
وفيها أمر المهدي بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن ببغال وابل ولم يكن هنالك بريد قبل ذلك وفيها اضطربت خراسان على المسيب بن زهير فولاها الفضل بن سليمان الطوسي أبا العباس وأضاف إليه سجستان فاستخلف على سجستان تميم بن سعيد بن دعلج بأمر المهدي
وفيها أخذ المهدي داود بن روح بن حاتم وإسماعيل بن مجالد ومحمد بن أبي المكي ومحمد بن طيفور في الزندقة فاستتابهم وخلى سبيلهم وبعث داود إلى أبيه وهو على البصرة وأمره بتأديبه
وفيها استعمل إبراهيم بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله على المدينة وكان على مكة والطائف عبيد الله بن قثم وفيها عزل منصور بن يزيد بن منصور عن اليمن واستعمل مكانه عبد الله بن سليمان الربعي وفيها أطلق المهدي عبد الصمد بن علي من حبسه
وحج بالناس إبراهيم بن يحيى
@ 353 @
صدري فقلت فرجت عني يا أمير المؤمنين ثم قبلت يده ورجله وقلت الرؤيا إنما تكون لخاطر أو بخارات رديئة وتهاويل السوداء وهي أضغاث أحلام قال فإني أقصها عليك رأيت كأني جالس على سريري هذا إذ بدت من تحتي ذراع أعرفها وكف أعرفها لا افهم اسم صاحبها وفي الكف تربة حمراء فقال لي قائل أسمعه ولا أرى شخصه هذه التربة التي تدفن فيها فقلت وأين هذه التربة قال طوس وغابت اليد وانقطع الكلام فقلت أحسبك لما أخذت مضجعك فكرت في خراسان وما ورد عليك منها وانتقاض بعضها فذلك الفكر أوجب هذه الرؤيا فقال كان ذلك فأمرته باللهو والانبساط ففعل ونسينا الرؤيا وكالت الأيام ثم سار إلى خراسان لحرب رافع فما صار ببعض الطريق ابتدأت به العلة فلم تزل تزيد حتى دخلنا طوس فبينا هو يمرض في بستان في ذلك القصر الذي هو فيه إذ ذكر تلك الرؤيا فوثب متحاملا يقوم ويسقط فاجتمعنا إليه نسأله فقال أتذكر رؤياي بالرقة في طوس ثم رفع رأسه إلى مسرور فقال جئني من تربة هذا البستان فأتاه بها في كفه حاسرا عن ذراعيه فلما نظر إليه قال هذه والله الذراع التي رأيتها في منامي وهذه الكف بعينها وهذه التربة الحمراء ما خرمت شيئا وأقبل على البكاء والنحيب ثم مات بعد ثلاثة
قال ابو جعفر لما سار الرشيد عن بغداد إلى خراسان بلغ جرجان في صفر وقد اشتدت علته فسير ابنه المأمون إلى مرو وسير معه من القواد عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وأسد بن يزيد والعباس بن جعفر بن محمد بن الاشعث والسندي الحرشي ونعيم بن حازم وسار الرشيد إلى طوس واشتد به الوجع حتى ضعف عن الحركة فلما أثقل أرجف به الناس فبلغه ذلك فأمر بمركوب ليركبه ليراه الناس فأتي بفرس فلم يقدر على النهوض فأتي ببرذون فلم يطق النهوض فأتي بحمار فلم ينهض فقال ردوني ردوني صدق والله الناس ووصل إليه وهو بطوس بشير بن الليث أخو رافع وأسيرا فقال الرشيد والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة فقلت اقتلوه ثم دعا بقصاب فأمر به ففصل أعضاءه فلما فرغ منه أغمي عليه وتفرق الناس عنه فلما ايس من نفسه أمر بقبره فحفر في موضع عن الدار التي كان فيها وأنزل إليه قرحا فقرؤوا فيه القرآن حتى خنمبل وهو في محفة على

الصفحة 353