كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 271
لما تقدم من أن العدم كله ظلمة ، فلا عمل له يكون شيئاً ولا يقرب من ذلك لأنه لا أهلية له بوجه ) ومن لم يجعل الله ) أي الملك الأعظم ) له نوراً ( من الأنوار ، وهو قوة الإيجاد والإظهار ) فما له من نور ( أصلاً ، لأنه سبحانه يستر نوره وإن كان ملء السماوات والأرض عمن يشاء بحجب الأهوية ، لأنه قادر على ما يريد .
ولما كان قيام الأمور ، زظهورها كل ظهور ، إنما هو بالنور ، حساً بالإيجاد ، زمعنى بجعل الموجودات آيات مرئيات تدل على موجدها ، قال تعالى دالاً على ما أخبر به من أنه وحده نور السماوات والأرض ، أي موجدهما بعلمه وقدرته ومن أن من كساه من نوره فإن في يوم البعث الذي يجازي فيه الخلق على ما يقتضيه العلم الذي هو النور في الحقيقة من مقادير أعمالهم ، ومن أعراه من النور هلك : ( ألم تر ) أي تعلم يارأس الفائزين برتبة الإحسان علماً هو في ثباته كما بالمشهادة ) أن الله ( الحائز لصفات الكمال ) يسبح له ( اي ينزه عن كل شائبة نقص لأجله خاصة بما له فيه من القدرة الكاملة ) من في السموات ( .
ولما كان أمر الطير أدل لأنه أعجب ، قال مخصصاً : ( والطير صافات ) أي ) والأرض ) أي هما وكل ما فيهما بلسان حاله ، أو آلة مقاله ، وعرف أن المراد العموم بعطفه بعض ما لا يعقل ، وعبر ب ( من ) لأن المخبر به من وظائف العقلاء .
ولما كان الطير أدل لأنه أعجب ، قال مخصصاً : ( والطير صافات ) أي باسطات أجنحتها في جو السماء ، لا شبهة في أنه لا يمسكهن إلا الله ، وإمساكه لها في الجو مع أنها أجرام ثقيلة ، وتقديره لها فيه على القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرته .
ولما كان العلم يوصف به ما هو سبب كالكتاب المصنف ونحوه ، ويشتق للشيء اسم فاعل مما لابسه كما يقال : ليله قائم ، ونهاره صائم ،
77 ( ) ولا تزال تطلع على خائنة منهم ( ) 7
[ المائدة : 13 ] وكانت أسطر القدرة مجودة على كل كائن ، شديدة الوضوح في صفحات كل شيء ، فكانت الكائنات بذلك دالة على خالقها وما له من كل صفة كمال ، صح إطلاق العلم عليها وإسناده إليها فقال : ( كل ) أي من المخلوقات ) قد علم ) أي بما كان شبباً له من العلم بما فيه من الآيات الدالة المعلمة بما لموجده من صفات الكمال ) صلاته ) أي الوجه الذي به وصلته بمولاه ونسبته إليه ) وتسبيحه ) أي الحال الذي به براءة صانعه من الشين وتعاليه عن النقص ، وقد صرحت بذلك ألسن أحوالها ، نيابة عن بيان مقالها ، هذا بقيامه صامتاً جامداً ، وهذا بنموه مهتزاً رابياً ، إلجاء وقهراً ، وهذا بحركته بالإرادة ، وقصد وجوه منافعه ، وبعده عن أحوال مضاره بمجرد فطرته وما أودع في طبيعته ، وهذا بنطقه وعقله ، ونباهته وفضله ، مع أن نسبة كل منهم إلى الأرض

الصفحة 271