كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 274
فذكر ما يسقي الأرض ، وطوى ذكر ما ينشأ عنه منالنبات للعلم به ، ذكر أحوال ما يتكون به من الحيوانات دليلاً ظاهراً على الإعادة ، وبرهاناً قاهراً على المنكرين لها فقال : ( والله ) أي الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة ) خلق كل دآبة ) أي مما تقدم أنه يسبح له .
ولما ذكر أنواعاً من الحيوان ، نكر بخلاف ما في الأنبياء فقال : ( من ماء ) أي دافق هو أعظم أجزاء مادته كما خلق النبات من ماء ( هامر ) كذلك ، وفاوت بينه مع كون الكل من الماء الهامر الذي لا تفاوت فيه ) فمنهم ) أي الدواب .
ولما كان في سياق التعظيم ، وكان قد آتى كل نفس من الإدراك ما تعرف به منافعها ومضارها ، عبر عن الكل بأداة من يعقل وإن كانوا متفاوتين في التمييز فقال : ( من يسمي على بطنه ) أي من غير رجل ؛ وقدم هذا لكونه أدل على القدرة ، وسماه مشياً استعارة ومشاكلة ) ومنهم من يمشي على رجلين ) أي ليس غير ) ومنهم من يمشي على أربع ) أي من الأيدي والأرجل ، وفي هذا تنبيه على من يمشي على أكثر من ذلك ، وإليه الإشارة بقوله : ( يخلق الله ( وعبر باسم الجلالة إعلاماً بتناهي العظمة ؛ وقال : ( ما يشاء ( دلالة على أنه فعله بقدرته واختياره ، لا مدخل لشيء غير ذلك فيه إلا بتقدير العزيز العليم .
ولما كانت هذه الأدلة ناظرة إلى البعث أتم نظر ، وكانوا منكرين له ، أكد قوله : ( إن الله ) أي الذي الكمال المطلق ) على كل شيء ( من ذلك وغيره ) قدير ( .
ولما اتضح بهذا ما لله تعالى من صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص ، وقامت أدلة الوحدانية على ساق ، واتسقت براهين الألوهية أي اتساق ، قال مترجماً لتلك الأدلة : ( لقد أنزلنا ) أي في هذه السورة وما تقدمها ، بما لنا من العظمة ) آيات ) أي من الحكم والأحكام والأدلة والأمثال ) مبينات ( لا خفاء في شيء منها عند أحد من الخلق ، لأن الله قد أراد هدايتكم ، بعضكم بالبيان ، وبعضكم بخلق الإذعان ) والله ) أي الملك الأعظم ) يهدي من يشاء ( من العابد كلهم ) إلى صراط مستقيم ( بالقوة بإنزال الآيات ، والفعل بخلق الإيمان والإخبات ، فيؤمنن إيماناً ثابتاً .
ولما كان إخفاء هذه الآيات عن البعض بعد بيانها أعجب من ابتداء نصبها ، فكان السياق ظاهراً في أن التقدير : والله يضل من يشاء فيكفرون بالآيات والذك رالحكيم ، وكان الخروج من نورها بعد التلبس بها إلى الظلام أشد غرابة ، عطف على ما قدرته مما دل عليه السياق أتم دلالة قوله دليلاً شهودياً على ذلك مطوي ، كعجباً ممن عمي عن

الصفحة 274