كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 277
ولما ذكر سبحانه ما رتب على الطاعة الظاهرة التي هي دليل الانقياد الباطن ، ذكر حال المنافقين فيه ، فقال عاطفاً على ) ويقولون ( لأنه ليس المراد منه إلا مجرد القول من غير إرادة تقييد بزمان معين : ( وأقسموا ( وكأنه عبر بالماضي إشارة إلى أنهم لم يسمحوا به أكثر من مرة ، لما يدل عليه من زيادة الخضوع والذل ) بالله ) أي الملك الذي له الكمال المطلق ؛ واستعار من جهد النفس قوله في موضع الحال : ( جهد أيمانهم ) أي غاية الإقسام ) لئن أمرتهم ) أي بأمر من الأمور ) ليخرجن ( مما هم ملتبسون به من خلافه ، كائناً ما كان ، إلى ما أمرتهم به ، وذلك أنهم كانوا يقولون لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : أينما كنت نكن معك ، إن خرجت خرجنا ، وإن أقمت أقمنا ، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا - قاله البغوي .
فكأنه قيل : ماذا تفعل في اختبارهم ؟ فقيل : الأمر أوضح من ذلك ، فإن لكل حق حقيقة ، ولكل فعل أدلة ) قل ) أي لهم : ( لا تقسموا ) أي لا تحلفوا فإن العلم بما أنتم عليه لا يحتاج إلى الإقسام ، ولكن المحرك لكم إلى الخروج محبة الامتثال لا إلزام الإقسام ، وفيه إشارة إلى أنهم أهل للاتهام ، وكذا قال المتنبي :
وفي يمينك فيما أنت واعده ما دل أنك في الميعاد متهم
ثم علل ذلك بقوله : ( طاعة ) أي هذه الحقيقة ) معروفة ) أي منكم ومن غيركم ، وإرادة الحقيقة هو الذي سوغ الابتداء بها مع تنكير لفظها لأن العموم الذي تصلح له كما قالوا من أعرف المعارف ، ولم تعرف ب ( الط لئلا يظن أنها لعهد ذكري أو نحوه ، والمعنى أن الطاعة وإن اجتهد العبد في إخفائها لا بد أن تظهر مخايلها على شمائله ، وكذا المعصية لأنه ) ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها ( رواه الطبراني عن جندب رضي الله عنه ، وروى مسدد عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : لو أن رجلاً دخل بيتاً في جوف بيت فأدمن هناك عملاً أوشك الناس أن يتحدثوا به ، وما من عامل عمل عملاً إلا كساه الله رداء عمله ، إن كان خيراً فخير ، وإن كان شراً فشر .
ولأبي يعلى والحاكم - وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( لو أن أحدكم في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائناً ما كان ( ثم علل للخبء بقوله : ( إن الله ) أي الذي له الإحاطة بكل شيء ) خبير بما تعلمون ( وإن إجتهدتم في إخفائه ، فهو ينصب عليه دلائل يعرفه بها عباده ، فالحلف غير مغنٍ عن الحالفن والتسليم غير ضار للمسلم .

الصفحة 277