كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 286
ولما رغب في أول الإسلام - لما كان فيه أكثر الناس من الضيق - في المؤاساة ، والاجتماع مع الضيوف ، ترغيباً ظن به الوجوب ، مع ما كانوا عليه من الكرم الباعث على الجود والاجتماع للأنس بالمحتاج ، خفف عنهم بقوله : ( أو أشتاتاً ) أي متفرقين لغير قصد الاستقذار ، والترفع والإضرار ، وإن كان الأكل في جماعة أفضل وأبرك - كما يفهمه تقديمه ، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلاً قال للنبي ( صلى الله عليه وسلم ) : إنا نأكل ولا نشبع ، قال : ( فلعلكم تأكلون متفرقين ؟ اجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه ) ولابن ماجه عن عمر رضي الله عنه عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : ( كلوا جميعاً ولا تفرقوا فإن البركة مع الجماعة ) ولما ذكر مواطن الأكل وكيفيته ، ذكرالحال التي يكون عليها الداخل إلى تلك المواطن أو غيرهن فقال مسبباً عما مضى من الإذن ، معبراً بأداة التحقيق ، بشارة بأنهم يطيعون بعد أن كانوا تحرجوا من ذلك حين أنزل تعالى
77 ( ) ا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ( ) 7
[ النساء : 29 ] : ( فإذا دخلتم ) أي بسبب ذلك أو غيره ) بيوتاً ) أي مأذوناً فيها ، أيّ بيوت كانت مملوكة أو لا ، مساجد أو غيرها ) فسلموا ( عقب الدخول ) على أنفسكم ( اي أهلها الذين هم منكم ديناً وقرباً ، وعبر بذلك ترغيباً بالإسلام ، والإحسان في الإكرام ، ولتصلح العبارة لما إذا لم يكن فيها أحد فيقال حينئذ ( السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز ) تحية ( مصدر من المعنى دون اللفظ ، أو أوقعوا الدعاء للمحيي بسلامة وحياة وملك بقاء ) من عند الله ) أي هي جديرة لتمام حسنها أن تضاف إلى من له الكمال كله سبحانه ) مباركة ) أي ثابتة أعظم ثبات بكونها موافقة لما شرع الله من خالص قلوبكم ) طيبة ( تلذذ السمع ؛ ثم وصف البيان ، تنبيهاً على ما في هذه آيات من الحسن والإحسانن فقال مستأنفاً كما مر غير مرة : ( كذلك ) أي مثل هذا البيان ، العظيم الشأن ) يبين الله ) أي المحيط بكل شيء ) لكم الآيات ( التي لا أكمل منها .
ولما كان الله تعالى ، بعلمه وحكمته ، وعزه وقدرته ، ولطفه وخبرته ، قد خلق عقلاً نيراً إلى الحق ، وإلى طريق مستقيم ، وقسمع بين عباده ، وخلق فيهم أنواعاً

الصفحة 286