كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 288
وكان أمر الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أجلّ موطن تجب الإقامة فيه ويهجر ما عداه من الأوطان ، فتصير الأرض برحبها ضيقة لأجله ، محظراً سلوكها مِن جرّاه ، بمنزلة بيت الغير الذي لا يحل دخوله بغير إذن ، قال معرفاً بذلك على طريق الحصر مقابلاً لسلب
77 ( ) وما أولئك بالمؤمنين ( ) 7
[ المائدة : 43 ] مبيناً عظيم الجناية في الذهاب عن مجلس النبي ( صلى الله عليه وسلم ) المقتضي للجمع من غير إذن : ( إنما المؤمنون ) أي الكاملون الذين لهم الفلاح ) الذين آمنوا بالله ) أي الملك الأعلى ) ورسوله ( ظاهراً وباطناً .
ولما كان الكلام في الراسخين ، كان الموضع لأداة التحقيق فقال : ( وإذا ) أي وصدقوا إيمانهم بأنهم إذا ) كانوا معه ) أي الرسول صلى الله عليه السلام ) على أمر جامع ( اي لهم على الله ، كالجهاد لأعداء الله ، والتشاور في مهم ، وصلاة الجمعة ، ونحو ذلك ) لم يذهبوا ( عن ذلك المر خطوة إلى موضع من الأرض ول أنه يوتهم ، لشيء من الأشياء ولو أنه أهم مهماتهم ، لأنه أخذ عليهم الميثاق بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ) حتى يستأذنوه ( فيأذن لهم ، لأن المأمور به قد صار منزلهم ومأواهم ومتبوأهم ، وصار كل ما سواه من الأماكن والأمور له عليه الصلاة والسلام دونهم ، لا حظ لهم فيه ، فلا يحل لهم أن يدخلوه حساً أو معنى إلا بإذنه ، وهذا من عظيم النتبيه على عليّ أمره ، وشريف قدره ، وذلك عند الانصارف عنه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وجعل رتبة ذلك تالية لرتبة الإيمان بالله والرسول ، وجعلهما كالتسبيب له مع تصدير الجملة بأداة الحصر ، وإيقاع المؤمنين في مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت وصلته بالرتب الثلاث شرحاً له .
ولما نفى عن المؤمنين الذهاب إلى غاية الاستئذان ، فأفهم أن المستأذن مؤمن ، صرح بهذا المفهوم ليكون آكد ، فقال تشديداً في الإخلال بالأداب بين يديه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وتأكيداً لحفظ حرمته والأدب معه لئلا يتشوش فكره في أسلوب آخر ، وبياناً لأن الاستئذان مصداق الإيمان : ( إن الذين يستأذنوك ( اي يطلبون إذنك لهم إذا أرادوا الانصراف ، في شيء من أمورهم التي يحتمل أن تمنع منها ) أولئك ( العالو الرتبة خاصة ) الذين يؤمنون ) أي يوجدون الإيمان في كل وقت ) بالله ( الذي له الأمر كله فلا كفوء له ) ورسوله ( وذلك ناظم لأشتات خصال الإيمان .
ولما قصرهم على الستئذانن تسبب عن ذلك إعلامه ( صلى الله عليه وسلم ) بما يفعل غذ ذاك فقال : ( فإن استأذنوك ) أي هؤلاء الذين صحت دعواهم ؛ وشدد عليهم تأكيداً لتعظيم الأدب معه ( صلى الله عليه وسلم ) بقوله : ( لبعض شأنهم ( وهو ما تشتد الحاجة إليه ) فأذن لمن شئت منهم ( قيل : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) إذا صعد المنبر يوم الجمعة فمن اراد أن يخرج لعذر قام بحياله

الصفحة 288