كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 296
حملهم على هذا القول ، وهو ستر ما ظهر لهم ولغيرهم كالشمس والاجتهاد في إخفائه : ( إن ) أي ما ) هذا ) أي القرآن ) إلا إفك ) أي كذب مصروف عن ظاهره ووجه هو أسوأ الكذب ) افتراه ( اي تعمد كذبه هذا النذير ، فكان قولهم هذا موضع العجب لكونه ظاهر الخلل .
ولما كان الإنسان مطبوعاً على أنه يتكثر بأدنى شيء من المحاسن فيحب أن تظهر عنه ولا ينسب شيء منها إلى غيره ، كان أ " جب من ذلك وأظهر عواراً قولهم : ( وأعانه ) أي محمداً ) عليه ) أي القرآن ) قوم ) أي ذوو كفاية حبوه بما يتشرف به دونهم ؛ وزادوا بعداً بقولهم : ( آخرون ) أي من غير قومه ؛ فقيل : أرادوا اليهود ، وقيل : غيرهم ممن في بلدهم من العبيد النصارى وغيرهم ، فلذلك تسبب عنه قوله تعالى : ( فقد جاؤوا ) أي ميلاً مع جلافة عظيمة عن السنن المستقيم في نسبة أصدق الناس وأطهرهم خليقة ، وأقومهم طريقة ، إلى هذه الدنايا التي لا يرضاها لنفسه أسقط الناس ، فإنها - مع كنها دنيئة في نفسها - مضمنة الفضيحة ؛ قال ابن جرير وأصل الزور تحسين الباطل وتأويل الكلام .
ولما تبين تناقضهم أولاً في ادعائهم في القرآن ما هو واضح المنافاة لوصفه ، وثانياً بأنه أعين عليه بعد ما أشعرت به صيغة الافتعال منالانفراد ، أتبعه تعالى تناقضاً لهم آخر بقوله معجباً : ( وقالوا ) أي الكفار ) أساطير ( جمع إسطارة وأسطورة ) الأولين ( من نحو أحاديث رستم وإسفنديار ، فصرحوا أنه ليس له فيه شيء ) اكتتبها ) أي تطلب كتابتها له ) فهي ) أي فتسبب عن تكلفه أنها ) تملى ) أي تلقى من ملق ما إلقاء جيداً متجدداً مستمراً ) عليه ( من الكتاب الذي اكتتبها فيه في أوقات الفراغ ) بكرة ( قبل أن ينتشر الناس ) وأصيلاً ) أي وعشياً حين يأوون إلى مساكنهم ، أو دائماً ليتكلف حفظها بعد أن تلكف تحصيلها بالانتساخ أنه أمي ، وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل ولا مروءة ، فإن من المعلوم الذي لا يخفى على عاقل أن إنساناً لو لازم شيئاً عشرة أيام بكرة وعشياً لم يبق ممن يعرفه ويطلع على أحواله أحد حتى عرف ذلك منه ، فلو أنكره بعد لافتضح فضيحة لا يغسل عنه عارها أبداً ، فكيف والبلد صغير ، والرجل عظيم شهير ، وقد ادعوا أنه مصر على ذلك إلى حين مقالتهم بعدها لا ينفك ، وعيروه بأنه معدم يحتاج إلى المشي في الأسواق ، و هو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة من مثله ، وفيهم الكتاب والشعراء والبلغاء والخطباء ، وهو أكثر منه مالاً ، وأعظم أعواناً ، فلا يقدرون .

الصفحة 296