كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 300
والبركة ، لا ثبات إلا هو ) الذي إن شاء ( فإنه لا مكره له ) جعل لك خيراً من ذلك ) أي الذي قالوه على سبيل التهكم ؛ ثم أبدل منه قوله : ( جنات ( فضلاً عن جنة واحدة ) تجري من تحتها الأنهار ) أي تكون أرضها هيوناً نابعة ، أي موضع أريد منه إجراء نهر جرى ، فهي لا تزال رياً تغني صاحبها عن كل حاجة ولا تحوجه في استثمارها إلى سقي .
ولما كان القصر - وهو بيت المشيد - ليس مما يستمر فيه الجعل كالجنة التي هذه صفتها ، عبر فيه بالمضارع إيذاناً بالتجديد كلما حصل خلل يقدح في مسمى القصر فقال : ( ويجعل لك قصوراً ( اي بيوتاً مشيدة تسكنها بما يليق بها من الحشم والخدم ، قال البغوي : والعرب تسمي كل بيت مشيد قصراً .
وهذه العبارة الصالحة لأن يجعل له سبحانه ذلك في الدنيا مما فتت في أعضادهم ، وخافوا غائلتها فسهلت من قيادهم ، لعلهم بأن مراسله قادر على ما يريد ، بلكنه سبحانه أغناه عن ذلك يتأييده بالأعوان ، من الملائكة والإنس والجان ، حتى اضمحل أمرهم ، وعيل صبرهم ، ولم يشأ سبحانه ما أشار إليه في هذه الآية الشريفة في هذه الدنيا الفانية ، وأخره إلى الآخرة الباقية ، وقد عرض سبحانه عليه ما شاء من ذلك في الدنيا فأباه ، روى البغوي من طريق ابن المبارك ، والترميذي - وقالك حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : ( عرض عليّ ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهباً ، فقلت : لا يا رب ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً ، فإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك ، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك ) وروي عن طريق أبي الشيخ عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( لو شئت لسارت معي الجبال الذهب جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة ) فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك : إن شئت نبياً عبداً وإن شئت نبياً ملكاً ، ( فنظرت إلى جبريل عليه الصلاة والسلام فأشار إلى أن ضع نفسك ، فقلت : نبياًعبداً ) قال : فكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بعد ذلك لا يأكل متكئاً ويقول : ( آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد ) وسيأتي في سورة سبأ عند
77 ( ) وأرسلنا له عين القطر ( ) 7
[ سبأ : 12 ] ما يتم هذا ، ولا يبعد عندي أن يكون أشير بالآية الشريفة - وإن كانت في أسلوب الشرط غلى ما فتح عليه ( صلى الله عليه وسلم ) من الحدائق التي لم يكن مثلها في بلاد العرب لما فتح الله عليه خبير ووادي القرى ، وتصرف في ذلك بنفسه الشريفة وأكل منه وإلى ما فتح على أصحابه من

الصفحة 300