كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 301
بعده من بلاد فارس والروم ذات القصور والجنان التي لا مثل لها ولذلك عبر في الجنات بالماضي ، وفي القصور بالمضارع ، وأتيحوا كنوز كسرى بن هرمز ، فإن اللائق بمقام ا لملوك أن تكون إشارتهم أوسع من عباراتهم ، فإذا ذكروا شيئاً ممكناً على سبيل الفرض كان من إرادتهم إيجاده ، ويحبون أن يكتفي منهم بالإيماء ، وأن يعتمد على تلويحهم أعظم مما يعتمد على تصريح غيرهم ، وأن يعد المفروض منهم بمنزلة المجزوم به من غيرهم ، والممكن في كلامهم كالواجب ، فما ظنك بملك الملوك القادر على كل شيء وهو قد صرف سبحانه الخطاب إلى إعلى الناس فهماً ، وأغزرهم علماً ، وقد أراه سبحانه ما يكون من ذلك من بعده في غزوة الخندق .
روى البيهقي في دلال النبوة عن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لما خط الخندق ليحفره جعل على كل عشرة اربعين ذراعاً ، وكان سلمان الفارسي رضي الله عنه رجلاً قوياً ، فاختلف فيه المهاجرون والأنصار ، فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : ( سلمان منا أهل البيت ) فخرجت لهم صخرة بيضاء مدورة ، قال عمرو : فكسرت حديدنا .
وشقت علينا ، فقلنا : يا سلمان ارق إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) فأخبره خبر هذه الصخرة ، فأخبر فأخذ ( صلى الله عليه وسلم ) المعول من سلمان فضربها ثلاث ضربات صدع فيها في كل ضربة صدعاً ، وكسرها في الثالثة ، وبرقت مع كل ضربة برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم ، وكبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) مع كل برقة تكبيرة ، ثم أخذ بيد سلمان فرقي فسأله سلمان للقوم : ( هل رأيتم ما يقول سلمان ؟ ) قالوا : نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر ، لانرى شيئاً غير ذلك ، فقال : ( أضاءت لي من البرقة الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب ، ومن الثانية القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب ، ومن الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني ، جبريل عليه الصلاة والسلام أن أمتي ظاهرة عليها ) فاستبشر المسلمون وقالوا : الحمد لله موعود صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر ، فطلعت الأحزاب فقال المسلمون
77 ( ) هذا ما وعدنا الله وروله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً ( ) 7
[ الأحزاب : 22 ] وقال المنافقون في ذلك ما أشار إليه لله تعالى في القرآن ؛ ثم إن الله تعالى كذب المنافقين وصدق رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فافتتح أصحابه رضي الله عنهم جميع ما ذكر ،

الصفحة 301