كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 302
وغلبوا على سائر مملكة الفرس واليمن وأكثر الروم ، وانتثلوا من كنوز كسرى وقيصر ما يفوت الحصر ، وقد كان ( صلى الله عليه وسلم ) تصرف في ذلك من ذلك الوقت تصرف الملوك ، لأن وعد الله لا خلف فيه ، بل غائبه أعظم من حاضره غيره ، وموعودة أوثق من ناجز سواه ، فأعطى ( صلى الله عليه وسلم ) تميم بن أوس الداري بلد الخليل عليه الصلاة والسلام من أرض الشام من مملكة الروم ، وأعطى خريم بن أوس - الذي يقال له : شويل - كرامة بنت عبد المسيح ابن بقيلة من سبي الحيرة من بلاد العراق من مملكة فارس ، وكل منهم قبض ما أعطاه عند الفتح كما يعرفه من طالع كتب الفتوح علىأيام الخلفاء الراشدين رضي الله عنه وفتحه أجمعين ، فعندي أن هذا مما أشارت إليه الاية الشريفة ، نزه الله تعالى نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) عنه وفتحه على أصحابه ، تشريفاً لهم بإزالة أهل الشرك عنه ، وإنعاماً عليهم به تصديقاً لوعده ، وإكراماً لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) بنصر أوليائه وتكثير أمته ، وحضر ذلك كثير ممن كان من القائلين
77 ( ) ما لهذا الرسول ( ) 7
[ الفرقان : 7 ] إلى آخره ، وقد كان قادراً على أن يقويه بجميع ما ينصر به موته ، ولكنه لم يفعل لأن ذلك أوضح في الأمر ، ولا أموال وافرة ، ولا ملوك معينة قاهرة ، بل أهل الدنيا من غير جنود كثيرة ظاهرة ، ولا أموال وافرة ، ولا ملوك معينة قاهرة ، بل كانت الملوك عليه ، ثم صاروا كلهم أهون شيء عليه ، بيد أصحابه من بعد وأحبابه .
ولما ثبت بما أثبت انفسه الشريفة من الكمال أنه لا مانع من إيجاد ما ساقوه مساق التوبيخ إلا عدم المشيئة ، لا عجز من الجاعل ولا هوان بالمجعول له ، تسلية له ( صلى الله عليه وسلم ) في أسلوب مشير بأنه يعطيه ذلك ، سلاه أيضاً بأن ما نسبوه إليه لا يعتقدون حقيقتهن فأضرب عن كلامهم قائلاً : ( بل ( اي لا تظن أنهم كذبوا بما جئت به لأنهم يعتقدون فيك كذباً وافتراء للقرآن ، أو نقصاناً لأكلك الطعام ومشيك في الأسواق ، أو في شيء من أحوالك ، أو لا تظن أنهم يكذبون بقدرته تعالى على ما ذكر أنه إن شاء جعله لك بل ، أو المعنى : دع التفكر فيما قالوه من هذا فإنهم لم يقتصروا في التكذيب عليه بل ) كذبوا بالساعة ) أي بقدرتنا عليها ، واستقر ذلك في أنفسهم دهوراً طويلة ، وخذوه خلفاً عن سلف ، وأشرب قلوبهم حب هذا الحطام الفاني ، وتقيدت أوهامهم بهذه الظواهر كالبهائم ، فعسر انفكاكهم عن ذلك بما جاءهم من البيان الذي لا يشكون فيه ، فاجترؤوا لذلك على العناد لعدم الخوف من أهوال يوم القيامة كما قال تعالى عن أهل الكتاب
77 ( ) وغرهم في دينهم م اكانوا يفترون ( ) 7
[ آل عمران : 24 ] ) وأعتدنا ) أي والحال أنا أعتدنا أي هيأنا بما لنا من العظمة ) لمن كذب ( من هؤلاء وغيرهم ) بالسعة سعيراً ) أي ناراً شديدة الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من كذبوهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم رضي الله عنهم ) إذا رأتهم ) أي إذا كانت بحيث يمكن أن يروها