كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 308
ولما كان هذا أمراً واقعاً لا محالة ، التفت إليهم مبكتاً فقال معبراً بالماضي بعد ( قد ) المقربة المحققة : ( فقد كذبوكم ) أي المعبودون كذبوا العابدين بسبب إلقائهم السلم المقتضي لأنهم لا يستحقون العبادة وأنهم يشفعون لكم مقهورين مربوبين ) بما ) أي بسبب ما ) تقولون ( أيها العابدون من أنهم يستحقون العبادة ، وأنهم يشفعون لكم ، وأنهم أضلوكم ، وفي قراءة ابن كثير بالتحتانية المعنى : بما يقول المعبدون من التسبيح لله والإذعان ، في ادعائكم أنهم أضلوكم .
ولما تسبب عن إلقائهم السلم وتخليهم عمن عبدهم أنه لا نفع في أيديهم ولا ضر ، قال : ( فما تستطيعون ) أي المعبدون ) صرفاً ) أي لشيء من الأشياء عن أحد من الناس ، لا أنتم ولا غيركم ، من عذاب ولا غيره ، بوجه حيلة ولا شفاعة ولا مفاداة ) ولا نصراً ( بمغالبة ، وهو نحو قوله تعالى
77 ( ) فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً ( ) 7
[ الإسراء : 56 ] .
ولما كان التقدير : فمن يعل منكم لسماع هذا الوعظ بوضع العبادة في موضعها نثبه ثواباً جليلاً ، عطف عليه ما المقام له فقال : ( ومن يظلم منكم ( بوضعها في غير موضعها ، وباعتقاده في الرسل ما لا ينبغي لهم أن يكونوا مثل الناس في أكل ولا طلب معيشة ونحو ذلك ) نذقه ( في الدنيا والآخرة ، بما لنا من العظمة ) عذاباً كبيراً ( .
ولما أبطل سبحانه ما وصموا به رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) وذكر ما جزاهم عليه .
وما أعد لهم وله ولأتباعه ، ونف ما زعموه في معبوداتهم وختمه بتعذيب الظالم ، ذكر ما ظلموا فيه من قولهم ) ما لهذا الرسول ( ونحوه ، فبين أن ما جعلوه من ذلك وصمة في حقه هو سنته سبحانه في الرسل من قبله أسوة لنوعهم البشري ، وأتبعه سره فقال زيادة في التسلية والتعزية والتأسية : ( وما أرسلنا ( بما لنا من العظمة .
ولما كان المراد العموم ، أعراه من الجار فقال : ( قبلك ( اي يا محمد أحداً ) من المرسلين إلا ( وحالهم ) إنهم ليأكلون الطعام ( ما نأكل ويأكل غيرك من الآدميين ) ويمشون في الأسواق ( كما تفعل ويفعلون أي إلا وحالهم الأكل والمشي لطلب المعاش كحال سائر الآدميين ، وهو يعلمون ذلك لما سمعوا من أخبارهم ، وهذا تأكيد من الله تعالى فإ ، هم لا يكذبونه عليه الصلاة والسلام ، ولا يعتقدون فيه نقصاً ، وإبطال لحجتهم بما قالوه من ذلك ، وإقامة للحجة على عنادهم ، وأنهم إنما يقولونه وأمثاله لمما تقدم من رسوخ التكذيب بالساعة في أنفسهم ) وجعلنا ) أي بالعطاء والمنع بما لنا من العظمة ) بعضكم لبعض فتنة ( بأ ، جعلنا هذا نبياً وخصصناه بالسالة ، وهذا ملكاً وخصصناه بالدنيا ، وهذا فقيراً وحرمناه

الصفحة 308