كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 309
الدنيا ، ليظهر ما نعلمه من كل من الطاعة والمعصية في عالم الغيب للناس في عالم الشهادة ، فنختبر الفقير بصبره على ما حرم مما أعطيه الغني أو جزعه ، والملك ومن في معناه من الأشراف بصبرهم على ما أعطيه الرسول منالكرامة والبلوغ بالقرب من الله إلى ما يبلغونه مع ما هم فيه من العظمة ، فلأجل ذلك لم أعط رسولي الدنيا ، وجعلته ممن يختار العبوديه والكفاف بطلب المعاش في الأسواق ، لأبتليكم في الطاعة له خالصة ، فإني لو أعطيته في الدنيا ، وجعلته ممن يختار الملك ، لسارع الأكثر إلى اتباعه طمعاً في الدنيا ، وهذا معنى ) أتصبرون ( فإنه علة ما قبله ، أي لنعلم علم شهادة هل تصبرون فيما امتحنكم به أم لا ؟ كما كنا نعلمه علم الغيب ، لتقوم عليكم بذلك الحجة في مجاري عاداتكم ، زفيها مع العلية تهديد بليغ لمن تدبر ، ويجوز أن يكون الاستفهام استئنافاً للتهديد .
ولما كان الاختبار ربما أوهم نقصاً في العلم ، وكان إحسانه سبحانه إلى جميع الخلق دون إحسانه إلى سيدهم وعينهم ، وخلاصتهم وزينهم : محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، وكان أعلمهم بتزيهه وتعظيمه ، وكان امتحانهم بجعله نبياً عبداً مع كونه في غاية الإكرام له ربما ظنوه إهانة ، نفى ما لعله يوهمه كل من الاستفهام والامتحان في حق الله سبحانهوحق نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال صارفاً وجه الخطاب إليه : ( وكان ربك ) أي المحسن إليك إحساناً لم يحسنه إلى أحد سواك ، لا سيما بجعلك نبياً عبداً ) بصيراً ( بكل شيء فهو عالم بالإنسان قبل الامتحان ، لم يفده ذلك علماً لم يكن ، وهو سبحانه يضع الأمور في حاق مواضعها وإن رئي غير ذلك ، فينبغي على كل أحد التسليم له في جميع الأمور فإنه يجر إلى خير كبير ، والتدبر لأقواله وأفعاله بحسن الانقياد والتلقي فإنه يوصل إلى علم غزير ، وما أراد بابتلائك بهم وابتلائهم بك في هذا الأذى الكبير إلا إعلاه شأنك وإسفال أمرهم
77 ( ) ولتعلمن نبأه بعد حين ( ) 7
[ ص : 88 ] .
ولما ذكر هذا الايتلاء بعد أن ذكر أول السرة ما هو سبحانه عليه من العظمة من سعة الملك ، وكثرة الصنائع ، والإحسان إل جميع الخلق ، وكان منحق كل مربوب أن يتعرف إلىربه ، كائناً من كان ، لا سيما إذا كان بهذه الصفة ، لينال من إحسانه ، ويتعزز به على أقرانه ، أتبع ذلك أنه كشف الابتلاء عن أنه لا بصر لهم فقال تعالى : ( وقال ( وأظهر في موضع الإضمار الوصف الذي قدم أنه موجب لعماهم فقال : ( الذين لا يرجون ) أي ليست لهم عقول لكونهم نسوا ) لقاءنا ( فهم لا يعملون عملاً يطمعون في إثباتنا لهم عليه بعد الموت على ما يعلمون لنا من العظمة التي من رجاها كانت له فسعد ، ومن أعرض عنها كانت عليه فهلك ، فصارت لذلك عقولهم تبعاً لشهواتهم ،

الصفحة 309