كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 310
فصاروا يتعرفون إلى جمادات سموها أربابهم ، ويقصدونها ويتمسحون بها رجاء للمحال ، والانهماك في الضلال ، فذكر الرجاء لهذا الغرض مع أنه يلزمه عدم الخوف : ( لولا ) أي هلا ولم لا .
ولما كان مرادهم لجهلهم أن يروهم كلهم دفعة واحدة ، عبر الإنزال فقال : من لا يحد وصف عظمته ، ولا تدرك مقاصد حكمته ، قال مصدراً بحرف التوقع لما أرشد إليه السياق جواباً لمن كأنه سأل : ما حالهم في هذا ؟ ) لقد ) أي وعزتنا لقد ) استكبروا ) أي طلبوا بل أوجدوا الكبر .
ولما لم يكن لكبرهم ثمرة في الظاهر ، لأنه لا يعود بالضرر على أحد غيرهم ، قال : ( في أنفسهم ) أي بطلب رؤية الملائكة .
ولما كان حاصل أمرهم أنهم طلبوا رتبة النبي الذي واستطته الملك ، وزادوا عليه رؤية جميع الملائكة الآخذين عن الله ، وزادوا على ذلك بطلب الرؤية ، قال : ( وعتوا ) أي وجاوزوا الحد في الاستكبار بما وراءه من طلبهم رؤية جميع الملائكة ورؤية الملك الجبار ، وزاد في تأكيد هذا المعنى لاقتضاء المقام له بقوله : ( عتواً كبيراً ( وبيان أنهم ما قالوا هذا إلا عتواً وظلماً أن ما جاءهم من الآيات التي أعظمها القرآن دلهم قطعاً بعجزهم عنالإتيان بشيء منه على صدقه ( صلى الله عليه وسلم ) عن الله في كل ما يقوله ، وفي حسن هذا الاستئناف وفحوى هذا السياق دلالة على التعجب من غير لفظ تعجب فالمعنى : ما أشد استكبارهم وأكبر عتوهم ثم بين لهم حالهم عند بعض ما طلبوا فقال : ( يوم ( وناصبه ما دل عليه ( لا بشرى ) ) يرون الملائكة ) أي يوم القيامة أو قبله في الغزوات أو عند الاحتضار ) لا بشرى ) أي من البشر أصلاً ) يومئذ للمجرمين ) أي لأحد ممن قطع ما أمر الله به أن يوصل ، ولبيان ذلك أظهر موضع الإضمار ) ويقولون ) أي في ذلك الرقت : ( حجراً محجوراً ) أي نطلب منعاً منكم ممنوعاً ، أي مبالغاً في مانعيته ، ويجوز أن يراد بالمفعول الفاعل ، والمعنى واحد في أنهم يريدون أن يمون بينهم وبين الملائكة مانع عظيم يمنعهم منهم ؛ قال أبو عبيدة : وهذا عوذة العرب ، يقوله من خاف آخر في الحرم أو شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة وقال سيبويه : يريد البراءة من الأمر ويبعد عن نفسه أمراً ، فكأنه قال : أحرم ذلك حراماً محرماً ، ومثل ذلك أن يقول الرجل للرجل : أتفعل كذا وكذا ؟ فيقول : حجراً أي ستراً وبراءة من هذا ، فهذا ينتصب على

الصفحة 310