كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 312
الكلام عاماً لأحوال الدنيا والآخرة ، وهو قاطعون بأ ، هم في الدنيا أحسن حالاً من المؤمنين ، لما هم فيه من السعة في المال والكثرة والقوة ، وبلفظ الحسن إشارة إلى ما يتزين به مقيلهم من حسن الوجوه وملاحه الصور ونحوه .
ولما كان للكفرة في هذه الدار من العز والقوة والضخامة ما يتعجبون معه من مصير حالهم وحال أخصامهم إلى ما ذكر ، بين أن الأمر في ذلك اليوم على غير ما نعهده ، فقال عاطفاً على ) يوم يرون ( : ( ويوم تشقق ) أي تشققاً عظيماً وإن كان فيه خفاء على البعض - بما أشار إليه حذف تائه ) السماء بالغمام ) أي كما تشقق الأرض بالنبات فيخرج من خلال شقوقها ، وأشار إلى جهل من طلبوا نزولهم دفعة واحدة بقوله : ( ونزل ) أي بالتدريج بأمر حتم لا يمكنهم التخلف عنه ، بأمر من لا أمر لغيره ) الملائكة ( الذين طلبوا أن يروهم في حال واحد ) تنزيلاً ( في أيديهم صحائف الأعمال ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : تشقق السماء في الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر من أهل ممن في الدنيا من الجن والإنس ، ثم تشقق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الدنيا وأهل الأرض جناً وإنساً ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة ، وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها ، ثم الكربيون ثم حملة العرش .
ولما كان ذلك اليوم سبباً لانكشاف الأمور ومعرفة أنه لا ملك لسواه سبحانه لأنه لا يقضي فيه غيره قال : ( الملك يومئذ ) أي يوم إذ تشقق السماء بالغمام ؛ ثم وصف الملك بقوله : ( الحق ) أي الثابت معناه ثابتاً لا يمكن زواله ؛ ثم أخبر عنه بقوله : ( للرحمن ) أي العام الرحمة في الدارين ، ومن عمم رحمته وحقية ملكه أن يسر قلوب أهل ورده بتعذيب أهل عداوته الذين عادوهم فيه لتضييعهم الحق باتباع الباطل ، ولولا اتصافه بالرحمة لم يدخل أحد الجنة ، ومعنى التركيب أن ملك غيره في ذلك اليوم إنما هو بالاسم الذي تقدم له في تسميته به فقط ، لا حكم له أصلاً ولا ظاهراً كما كان في الدنيا ) وكان ) أي ذلك ايوم الذي تظهر فيه الملائكة الذين طلب الكفار رؤيتهم ) يوماً على الكافرين ) أي فقط ) عسيراً ( شديد العسر والاستعار .
ولما كان حاصل حالهم أنهم جانبوا أشرف الخلق الهادي لهم إلى كل خير ، وصاحبوا غيره ممن يقودهم إلى كل شر ، بين عسر ذلك اليوم الذي إنما أوجب جرأتهم تكذيبهم به بتناهي ندمهم على فعلهم هذا فقال : ( ويوم يعض الظالم ) أي لفرط تأسفه لما يرى فيه من الأهوال ) على يديه ) أي كلتيهما فيكاد يقطعهما لشدة حسرته وهو لا يشعر ، حال كونه مع هذا الفعل ) يقول ) أي يجدد في كل لحظة قوله : ( يا ليتني اتخذت ) أي أرغمت نفسي وكلفتها أن آخذ في الدنيا ) مع الرسول سبيلاً ) أي عملاً