كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 313
واحداً من الأعمال التي دعاني إليها ، وأطعته طاعة ما ، لما انكشف لي في هذا اليوم من أن كل من أطاعه ولو لحظة حصلت له سعادة بقدرها ، وعض اليد والأنامل وحرق الأسنان ونحو ذلك كناية عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما ، فتذكر الرادفه دلالة على المردوف فيرتفع الكلام في طبقة الفصاحة إلى حد يجد السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان ما لا يجده عند المكنى عنه .
ولما تأسف على مجانبة الرسول ، تندم على مصادقة غيره بقوله : ( يا ويلتي ) أي يا هلاكي الذي ليس لي منادم غيره لأ ، ه ليس بحضرتي سواه .
ولما كان يريد محالاً ، عبر بأداته فقال : ( ليتني لم أتخذ فلاناً ( يعني الذي أضله - يسميه باسمه ، وإنما كنى عنه وهو سبحانه لا يخاف من المناواة ، ولا يحتاج إلى المداجاة ، إرادة للعموم وإن كانت الآية نزلت في شخص معين ) خليلاً ) أي صديقاً أوافقه في أعماله لما علمت من سوء عاقبتها ، ثم استأنف قوله الذي يتوقع كل سامع أن يقوله : ( لقد ) أي والله لقد ) أضلني عن الذكر ) أي عمّي عليّ طريق القرآن الذي لاذكر في الحقيقة غيره وصرفني عنه ، والجملة في موضع العلة لما قبلها ) بعد إذ جائني ( ولم يكن منه مانع يظهر غير إضلاله .
ولما كان التقدير : ثم ها هو قد خذلني أحوج ما كنت إلى نصرته ، عطف عليه قوله : ( وكان الشيطان ) أي كل من كان شبباً للضلال من عتاه الجن والإنس ) للإنسان خذولاً ( أس شديد الخذلان يورده ثم يسلمه إلى أكره ما يكره ، لا ينصره ، ولو أراد لما استطاع ، بل هو شر من ذلك ، لأن عليه إثمه في نفسه ومثل إثم من أضله .
ولما ذكر سبحانه أقوال الكفار إلى أن ختم بالإضلال عن الذكر ، وكانوا مع إظهارهم التكذيب به وأنه مفتعل في غاية الطرب له ، والاهتزاز به ، والتعجب منه ، والمعرفة بأنه يكون له نباً ، أشار إلى ذلك بقوله : عاطفاً على ) وقالوا ما لهذا الرسول ( معظماً لهذه الشكاية منه ( صلى الله عليه وسلم ) ، مخوفاً لقومه لأن الرسل قبله عليهم الصلاة والسلام كانوا إذا شكوا أنزل بقومهم عذاب الاستئصال : ( وقال الرسول ( يعني محمداً ( صلى الله عليه وسلم ) : ( يا رب ( أيها المحسن إليّ بأنواع الإحسان الذي أعظمه الرسالة ، وعبر بأداة البعد هضماً لنفسه مبالغة في التضرع ) إن قومي ) أي قريشاً الذين لهم قوة وقيام ومنعة ) اتخذوا ) أي يتكليف أنفسهم ضد ما تجده ) هذا القرآن ) أي المقتضي للاجتماع عليه والمبادرة إليه ) مهجوراً ) أي متروكاً ، فأشار بصيغة الافتعال إلى أنهم عالجوا أنفسهم في تركه علاجاً كثيراً ، لما يرون من حسن نظمه ، ويذقون من لذيذ معانيه ، ورائق أسالبيه ، ولطيف عجائبه ، وبديع غرائبه ، كما تعرّف به قصة أي جهل وأبي سفيان بن حرب