كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 316
ولما كان إنزله مفرقاً أحسنن أكده بقوله عطفاً على الفعل الذي تعلق به طكذلك ( ) ورتلناه ترتيلا ) أي فرقناه في الإنزال إليك تفريقاً في نيف وعشرين سنة ؛ وقال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : بيناه بياناً ، والنرتيل : التبين في ترسل وتثبت انتهى .
وأصله ترتيل الأسنان وهو تفليجها كنور الأقحوان .
ولما كان التقدير : قد بطل ما أتوا به هذا الاعتراض ، عطف عليه قوله : ( ولا يأتونك ) أي المشركون ) بمثل ) أي باعتراض في إبطال أمرك يخيلون به لعقول الضعفاء بما يجتهدون في تنميقه وتحسينه وتدقيقه حتى يصير عندهم في غاية الحسن والرشاقة لفظاً ومعنى ) إلا جئناك ) أي في جوابه ) بالحق ( ومن الألف واللام الدالة على الكمال يُعرَف أن المراد به الثابت الذي لا شيء أثبت منه ، فيرهق ما أتوا به لبطلانه ، ويفتضح بعد ذلك الستر فضيحة تخجّل القائل والسامع القابل .
ولما كانالتقدير في الأصل : بأحق منه ، وإنما عبر بالحق ، لئلا يفهم أن لما يأتون به وجهاً في الحقيقة ، عطف عليه قوله : ( وأحسن ) أي من مثلهم ) تفسيراً ) أي كشفاً لما غطى الفهم من ذلك الذي خيلوا به وادعوا أنهم أوضحوا به وجهاً من وجوه المطاعن ، فجزم أكثر من السامعين بحسنه .
ولما أنتجت هذه الآيات كلها أنهم معاندون لربهم ، وأنهم يريدن بهذه السؤالات أن يضللوا سبيله ، ويحتقروا مكانته ، ويهدروا منزلته ، علم قطعاً أنه يعمر بهم دار الشقاء ، وكان ذلك أدل على أنهم أعمى الناس عن الطرق المحسوسة ، فضلاً عن الأمثال المعلومة ، والتمثيل للمدارك الغامضة ، وأنهم أحقر الناس لأنه لا ينتقص الأفاضل إلا ناقص ، ولا يتكلم الإنسان إلا فيمن هو خير منه ، قال معادلاً لقوله :
77 ( ) أصحاب الجنة يومئذ خير ( ) 7
[ الفرقان : 24 ] واصفاً لما تقدم أنه أظهره موضع الإضمار من قوله
77 ( ) الذين كفروا ( ) 7
[ الفرقان : 32 ] ) ألذين يحشرون ( اي يجمعون قهراً ماشين مقلوبين ) علةى وجوههم ( أو مسحوبين ) إلى جهنم ( كما أنهم في الدنيا كانوا يعملون ما كأنهم معه لا يبصرون ولا تصرف لهم في أنفسهم ، تؤزهم الشياطين أزاً ، فإن الآخرة مرآة الدنيا ، مهما عمل هنا رئي هناك ، كما أن الدنيا مزرعة الآخرة ، مهما عمل فيها جنيت ثمرته هناك ( روى البخاري عن أنس رضي الله عنهما أن رجلاً قال : يا نبي الله كيف يحشر الكفر على وجهه يوم القيامة ؟ قال : ( أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على ةجهه يوم القيامة ؟ ( قال قتادة : يعني الراوي عن أنس : ( بلى وعزة ربنا .