كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 317
( ولما وصف المتنعتين في أمر القرآن بهذا الوصف ، استأنف الإخبار بأنهم متصفون بما ألزموا به من أن الإتيام بالقرآن مفرقاً وضع للشيء في غير موضعه فقال : ( أولئك ( اي البعداء البغضاء ) شر ) أي شر خلق ) مكاناً وأضل سبيلاً ( حيث عموا عن طريق الجنة التي لا أجلى منها ولا أوسع ، وسلكوا طريق النار التب لا أضيق منه ولا أوعر ، وعموا عن أن إنزال القرآن نجوماً أولى لما تقدم من اللطائف وغيرهما مما لا يحيط به إلا الله تعالى ، ) وسبيلاً ( تمييز محول عن الفاعل أصله : ضل سبيلهم ، وإسناد الضلال إليه من الإسناد المجازي .
ولما بين كذبوه وعادوه ، وأشار بآية الحشر إلى جهنم إلى أنه لا يهلكهم بعامة ، عطف على عامل ( لنثبت ) تسلية له وتخويفاً لهم قوله : ( ولقد آتينا ) أي بما لنا من ا لعظمة ) موسى الكتاب ( كما أتيناك ، بينا فيه الشرائع والسنن والأحكام ، وجعلناه هدى ورحمة ، وأنزلناه إليه منجماً في نحو عشرين سنة يقال : إنها ثمان عشرة كما أنزلنا إليك هذا القرآن في نيف وعشرين سنة ، كما بينت ذلك في آخر سورة النساء وغيرها ، على أن أحداً ممن طالع التوراة لا يقدر على إنكار ذلك ، فإنه بيّن ن نصوصها .
وزاد في التسلية بذكر الوزير ، لأن الرد للاثنين أبعد ، وفيه إشارة إلى أنه لا ينفع في إيمانهم إرسال ملك كما اقترحوا ليكون معه نذيراً ، فقال : ( وجعلنا ( بما لنا من العظمة ) معه أخاة ( ثم بينه بقوله : ( هارون ( وبين محط الجعل بقوله : ( وزيراً ) أي معيناً في كل أمر بعثناه به ، وهو مع ذلك نبي ، ولا تنافي بين الوزارة والنبوة .
ولما كانت الواو لا ترتب ، فلم يلزم من هذا أن يكون هذا الجعل بعد إنزال الكتاب كما هو الواقع ، رتب عليه قوله : ( فقلنا ) أي بعد جعلنا له وزيراً .
ولما كان المقصود هنا من القصة التسلية والتخويف ، ذكر حاشيتها أولها وآخرها ، وهما إلزام الحجة والتدمير ، فقال : ( اذهبا إلى القوم ) أي لاذين فيهم قوة وقدرة على ما يعانونه وهم القبط ) الذين كذبوا يآياتنا ) أي المرئية والمسموعة من النبياء الماضين قبل إتيانكما في علم الشهادة ، والمرئية والمسموعة منكما بعد إتيانكما في علمنا .
فذهبا إلهيم فكذبوهما فيما أرياهم وأخبراهم به من الآيات ، لما طبعناهم عليه من الطبع المهيىء لذلك .
ولما كان السياق للإنذار بالفرقان ، طوي أمرهم إلا في عذابهم فقال : ( فدمرناهم ) أي لذلك ) تدميراً ( بإغراقهم أجمعين عل يد موسى عليه السلام في البحر ، لم نيق منه أحداً مع ما أصبناهم به قبل ذلك من المصائب ، مع اجتهاد موسى عليه السلام في إحيائهم بالإيمان ، الموجب لإبقائهم في الدارين ، عكس ما فعلنا بموسى عليه السلام من