كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)

صفحة رقم 320
بحرف التحقيق ، إشارة إلى أنهم لعدم الانتفاع باليات كالمنكرين للمحسوسات ، وغير الأسلوب تنبيهاً على عظيم الشأن وهزاً للسامع فقال : ( ولقد أتوا ) أي هؤلاءالمكذبون من قومك ، وقال : ( على القرية ( - وإن كانت مدائن سبعاً أو خمساً كما قيل - تحقيراً لشأنها في جنب قدرته سبحانه ، وإهانة لمن يريد عذابه ، ودلالة على جمع الفاحشة لهم حتى كانوا كأنهم شيء واحد كما دل عليه التعبير بمادة ( قرا ) الدالة على الجمع ) التي أمطرت ) أي وقع إمطارها ممن لا يقدر على الإمطار سواه بالحجارة ، ولذا قال : ( مطر السوء ( وهي قرى قوم لوط ، ثم خسف بها وغمرت بما ليس في الأرض مثله في أنواع الخبث ؛ قال البغوي : كانت خمس قرى فأهلك الله أربعاً منها ونجت واحدة وهي أصغرها ، وكان أهلها لا يعلمون العمل الخبيث .
ولما كانوا يمرون عليها في أسفارهمن وكان من حقهم أن أن يتعظوا بحالهم ، فيرجعوا عن ضلالهم ، تسبب عن ذلك استحقاقهم للإنكار الشديد في قوله : ( أفلم يكونوا ) أي بما في جبلاتهم من الأخلاق العالية ) يرونها ( أ ] في أسفارهم إلى الشام ليعتبروا بما حل بأهلها من عذاب الله فيتوبوا .
ولما كان التقدير : بل رأوها ، أضرب عنه بقوله : ( بل ) أي لم يكن تكذيبهم بسبب عدم رؤيتها وعدم علمهم بما حل بأهلها ، بل بسبب أنهم ) كانوا ( يكذبون بالقيامة كأنه لهم طبع .
ولماى كان عود الإنسان إلى ما كان من صحته محبوباً له ، كان ينبغي لهم لو عقلوا أن يعلقوا رجاءهم بالبعث لأنه لا رجوع إلى الحياة ، فهو كرجوع المريض لا سيما المدنف إلى الصحة ، فلذلك قال معبراً بالرجاء تنبيهاً على هذا : ( لا يرجون نشوراً ( بعد الموت ليخافوا الله عز وجل فيخلصوا له فيجازيهم على ذلك ، لأنه استقر في أنفسهم اعتقادهم التكذيب بالآخرة ، واستمروا عليه قرناً بعد قرن حتى تمكن تمكناً لا ينفع معه الاعتبار إلا لمن شاء الله .
ولما أثبت تكذيبهم بالآخرة ، عطف عليه تحقيقاً قوله ، مبيناً أنهم لم يقتصروا على التكذيب بالممكن المحبوب حتى ضموا إليه الاستهزاء بمن لا يمكن أصلاً في العادة أن يكون موضعاً للهزء : ( وإذا رأوك ) أي مع ما يعلمون من صدق حديثك وكرم أفعالك لو لم تأتهم بمعجزة ، فكيف وقد أتيتهم بما بهر العقول ) إن ) أي ما ) يتخذونك إلا هزواً ( عبر بالمصدر إشارة إلى مبالغتهم في الاستهزاء مع شدة بعده ( صلى الله عليه وسلم ) عن ذلك ، يقولون محتقرين : ( أهذا ( وتهكموا مع الإنكار في قولهم ) الذي بعث الله ( اي المستجمع لنعوت العظمة ) رسولاً ( فإخراجهم الكلام في معرض التسليم والإقرار -

الصفحة 320