كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 321
وهم في غاية الجحود - بالغ الذروة من الاستهزاء ، فصار المراد عندهم أن هذا الذي ادعاه من الرسالة مما لا يجوز أن يعتقد .
ثم استأنفوا معجبين من أنفسهم ، مخيلين غيرهم من الالتفات غلى ما يأتي به م نالمعجزات ، قائلين : ( إن ( اي إنه ) كاد ( وعرّف بأن ( إن ) مخففة لا نافية باللام فقال : ( ليضلنا ( اي بما يأتي به من هذه الخوارق التي لا يقدر غيره على مثلها ، واجتهاده في إظهار النصح ) عن آلهتنا ( هذه التي سبق إلى عبادتها من هو أفضل منا رأياً وأكثر للأمور تجربة .
ولما كانت هذه العبارة مفهمة لمقاربة الصرف عن الأصنام ، نفوه بقولهم : ( لولا أن صبرنا ( بما لنا من الاجتماع والتعاضد ) عليها ( اي على التمسك بعبادتها .
ولما لزم قولهم هذا أن الأصنام تغني عنهم ، نفاه مهدداً مؤكداً التهديد لفظاعة فعلهم بقوله ، عطفاً على ما تقديره : فسوف يرون - أو من يرى منهم - أكثرهم قد رجع عن اعتقاد أن هذه الأصنام آلالهة : ( وسوف يعلمون ( اي في حال لا ينفعهم فيه العمل وإن طالت مدة الإمهال والتمكين ) حين يرون العذاب ) أي في الدنيا والآخرة ) من أضل سبيلاً ( هم أوالدعي لهم إلى ترك الأصنام الذي ادعوا إضلاله بقولهم ) ليضلنا ( .
ولما أخبره تعالى بحقيقة حالهم ، في ابتدائهم ومآلهم ، وكان ذلك مما يحزنه ( صلى الله عليه وسلم ) لشدة حرصه على رجوعهم ، ولزوم ما ينفعهم واجتناب ما يضرهم ، سلاه بقوله معجباً من حالهم : ( أرأيت من اتخذ ) أي كلف نفسه أن أخذ ) إلهه هواه ) أي أنهم حقروا الإله بإنزاله إلى رتبة الهوى فهم لا يعبدون إلا الهوى ، وهو ميل الشهوة ورمي النفس إلى الشيء ، لا شبهة لهم اصلاً في عبادة الأصنام يرجعون عنها إذا جلت ، فهم لا ينفكون عن عبادتها ما دام هواهم مجوداً ، فلا يقدر علىكفهم عن ذلك إلا القادر على صرف تلك الأهواء ، وهو الله وحده وهذا كما تقول : فلان اتخذ سميره كتابه ، أي أنه قصر نفسه على مسامرة الكتاب في وقت السمر وقد يشاركه في مسامرة الكتاب غيره ، ولو قلت : اتخذ كتابه سميره ، لانعكس الحال فكان المعنى أنه أنه قصر نفسه على مطالعة السمير ولم ينظر في كتاب في وقت السمر وقد يشاركه غيره في السمير ، أو قصر السمير على الكتاب والكتاب على السمير كما قصر الطين على الخزفية في قولك : اتخذت الطين خزفاً ، فالمعنى أن هذا المذموم قصر نفسه عل تأله الهوى فلا صلاح له ولا رشاد وقد يتأله الهوى غيره ، ولو قيل : من اتخذ هواه إلهه ، لكان المعنى أنه قصر هواه على الإله فلا غيّ له ، لأن هواه تابع لأمر الإله ، وقد يشاركه في تأله الإله غيره ؛ قال أبو حيان : والمعنى أنه لم يتخذ إلهاً إلا هواه - انتهى .
فلو عكس لقيل : لم يتخذ هوى