كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 322
إلا إلهه ، وهو إذا فعل ذلك فقد سلب نفسه الهوى فلم يعمل به إلا فيما وافق أمر إلهه ومما يوضح لك انعكاس المعنى بالتقديم والتأخير أنك لو قلت : فلان اتخذ عبده أباه ، لكان معناه أنه عظم العبد ، ولو قيل : إنه اتخذ اباه عبده ، لكان معناه أنه أهان الأب ، وسواء في ذلك إتيانك به هكذا على وزان ما في القرآ ، أو نكرت أحدهما ، فإنك لا تجد ذوقك فيه يختلف في أنه إذا قدم الحقير شرفه ، وإذا قدم الشريف حقره ، وكذا لو قلت : إتخذ إصطبله مسجداً أو صديقه اباً أو عكست ، ولو كان التقديم بمجرد العناية من غير اختلاف في الدلالة قدم الجاثية الهوى ، فإن السياق والسباق له ، وحاصل المعنى أنه اضمحل وصف الإله ، ولم يبق إلا الهوى ، فلو قدم الهوى لكان المعنى أنه زال وغلبت عليه صفة الإله ، ولم يكن ينظر إلا إليه ، ولا حكم إلا له ، كما في الطين بالنسبة إلى الخزف سواء - والله أعلم .
ولما كان لا يقدر على صرف الهوى إلا الله ، تسبب عن شدة حرصه على هداهم قوله : ( أفأنت تكون ( ولما كان مراده ( صلى الله عليه وسلم ) حرصاً عليهم ورحمة لهم ردهم عن الغي ولا بد ، عبر أداة الاستعلاء في قوله : ( عليه وكيلاً ) أي من قبل الله بحيث يلزمك أن ترده عن هواه إلى ما أمر به الله قسراً ، لست بوكيل ، ولكنك رسول ، ليس عليك إلا البلاغ ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات .
ولما انتفى الرد عن الهوى قسراً بالوكالة ، نفى الرد طوعاً بتقبيح الضلالة ، فذكر المانع منه بقوله معادلاً لما قبله ، منكراً حسبانه ، لا كونه هو الحاسب ، أو أنكر كونه هو الحاسب ، مع ما له من العقل الرزين ، والرأي الرصين ، ويكون ) تحسب ( معطوفاً على ( تكون ) : ( أم تحسب أن أكثرهم ) أي هؤلاء المدعوين ) يسمعون ) أي سماع من ينزجر ولو كان غير عاقل كالبهائم ) أو يعقلون ( ما يرون ولو لم يكن لهم سمع حتى يطمع في رجوعهم باختيارهم من غير قسر .
ولما كان هذا الاستفهام مفيداً للنفي ، أثبت ما أفهمه بقوله : ( إن ) أي ما ) هم إلا كالأنعام ) أي في عدم العقل لعدم الانتفاع به ) بل هم أضل ( اي منها ) سبيلاً ( لأنهم لا ينزجرون بما يسمعون وهي تنزجر ، ولا يشكرون للمحسن وهو وليهم ، لا يجانبون المسيء وهو عدوهم ، ولا يرغبون في الثواب ، ولا يخافون العقاب ، وذلك لأنا حجبنا شموس عقولهم بظلال الجبال الشامخة من ضلالهم ، ولو آمنوا لانقشعت تلك الحجب ، وأضاءت أنوار الإيمان ، فأبصروا غرائب المعاني ، وتبدت لهم خفايا الأسرار
77 ( ) إن الذين آمنوا وعملو الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ( ) 7
[ يونس : 9 ] فكما أن الإنسان - وإن كان بصيراً - لا يميز بين المحسوسات ما لم يشرق عليها نور الشمس ،