كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 331
بهداية ربه كان لي مثل أجره ، لا نفع لي من جهتكم إلا هذا ، فإن سيتم هذا أجراً فهو مطلوبي ، ولا مرية في أنه لا ينقص أحداً شيئاً من دنياه ، فلا ضرر على أحد في طي الدنيا عني ، فأفاد هذا فائدتين : إحداهما أنه لا طمع له أصلاً في شيء ينقصهم ، والثانية إظهار الشفقة البالغة بأنه يعتد بمنفعتهم الموصلة لهم إلى ربهم ثواباً لنفسه .
ولما كان المقصود ردهم عن عنادهم ، وكان ذلك في غاية الصعوبة ، وكان هذا الكلام لا يرد متعنتيهم - وهم الأغلب - الذين تخشى غائلتهم ، عطف على ( قل ) قوله : ( وتوكل ) أي أظهر العجز والضعف واستسلم واعتمد في أمرك كله ، ولا سيما في مواجهتهم بالإنذار ، وفي ردهم عن عنادهم .
ولما كان الوكيل يحمل عن الموكل ثقل ما أظهر له عجزه فيه ويقوم بأعبائه حتى يصير كمن يحمل عن آخر عيناً محسوسة لا يصير له عليه شيء منها أصلاً ، عبر بحرف الاستعلاء تمثيلاً لذلك فقال : ( على الحي ( ولا يصح التوكل عليه إلا بلزوم طاعته والإعراض عما سواها .
ولما كان الأحياء من الخلق يموتون ، بين أن حياته ليست كحياة غيره فقال : ( الذي لا يموت ( اي فلا ضياع لمن توكل عليه أصلاً ، بل هو المتولي لمصالحه في حياته وبعد مماته ، ولا تلتفت إلى ما سواه بوجه فإنه هالك ) وسبح بحمده ) أي نزهه عن كل نقص مثبتاً له كل كمال .
ولما كان المسلى ربما وقع في فكره أن من سلاه إما غير قادر على نصره ، أو غير عالم بذنوب خصمه ، وكان السياق للشكاية من إعراض المبلغين عن القرآن ، وما يتبع ذلك من الأذى ، أشار بالعطف على غير مذكور إلى أن التقدير : فكفى به لك نصيراً ، وعطف عليه : ( وكفى ( وعين الفاعل وحققه بإدخال الجار عليه فقال : ( به بذنوب عباده ) أي وكل ما سواهم عباده ) خبيراً ( لا يخفى عليه شيء منها وإن دق ، ثم وصفه بما يقتضي أنه مع ما له من عظيم القدرة بالملك والاختراع - متصف بالأناة وشمول العلم وحسن التدبير ليتأسى به المتوكل عليه فقال : ( الذي خلق السماوات والأرض ) أي على عظمهما ) وما بينهما ( من الفضاء والعناصر والعباد وأعمالهم من الذنوب وغيرها
77 ( ) إلا يعلم من خلق ( ) 7
[ الملك : 14 ] وقوله : ( في ستة أيام ( تعجيب للغبي الجاهل ، تدريب للفطن العالم في الحلم والأناة والصبر على عباد الله مقدار ستة من أيامنا ، فإن الأيام ما حدثت إلا بعد خلق الشمس ، الإقرار بأن تخصيص هذا العدد لداعي حكمه عظيمة ، وكذا جميع أفعاله وإن كنا لا ندرك ذلك ، هو الإيمان ، وجعل الله