كتاب نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور - العلمية (اسم الجزء: 5)
صفحة رقم 334
التغير على هذه الهيئة العظيمة لا يكون بدون مغير قادر عظيم القدرة مختار ، فيؤديه تذكره إلى الإيمان إن كان كفوراً ، وقراءة حمزة بالتخفيف من الذكر تشير إلى أن ما يدلان عليه من تمام القدرة وشمول العلم الدال قطعاً على الوحجانية على غاية من الظهور ، لا يحتاج إلى فكر ، بل تحصل بأدنى التفات ) أو أراد شكوراً ) أي شكراً بليغاً عظيماً لنعم الله لتحمله إرادته تلك على الشكر إن كان مؤمناً ، بسبب ما أنعم به ربه من الإتيام بكل منهما بعد هجوم الآخر لاجتناء ثمراته ، ولو جعل أحدهما دائماً لفاتت مصالح اللآخرة ، ولحصلت السآمة به ، والملل منه ، والتواني في الأمور المقدرة بالأوقات ، الكسل وفتر العزم الذي إنما يثيره لتداركها دخول وقت آخر ، وغير ذلك من الأمور التي أحكمها العي الكبير .
ولما ذكر عباده خذلهم بتسليط الشيطان عليهم فصاروا حزب الشيطان ، ولم يصفهم إلى اسم من اسمائه ، إيذاناً بإهانتهم لهةائهم عنده ، وهم الذين صرح بهم قوله أول السورة ) نذيراً ( وختم بالتذكر والشكر إشارة إلى عباده الذين أخلصهم لنفسه ، وأشار إليهم سابقاً بتخصصيص الوصف بالفرقان ، فأتبع ذلك ذكرهم ، فقال عاطفاً على جملة الكلام في قوله ) وإذا قيل لهم ( لكنه رفعهم بالابتداء تشريفاً لهم : ( وعباد ( ويجوز أن يقال ولعله أحسن : أنه سبحانه لما وصف الكفار في هذه السورة بما وصفهم به من الفظاظة والغلظة على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، وعداوتهم له ، ومظاهرتهم على خالقهم ، ونحو ذلك من جلافتهم ، وختم بالتذكر والشكر ، وكان التقدير : فعباد الشيطان لا يتذكرون ولا يشكرون ، لما لهم من القسوة ، عطف على هذا المقدر أضدادهم ، واصفاً لهم بأضداد أوصافهم ، مبشراً لهم بضد جزائهم ، فقال : وعباد ) الرحمن ( فأضافهم إليه رفعة لهم وإن كان كل الخلق عباده ، وأضافهم إلى صفة وصف الرحمة الأبلغ الذي أنكره أؤلئك تبشيراً لهم ؛ ثم وصفهم بضد ما وصف به المتكبين عن السجود ، إشارة إلى أنهم تخلقوا من هذه الصفة التي أضيفوا إليها بأمر كبير ، فقال : ( الذين يمشون ( وقال : ( على الأرض ( تذكيراً بما هم منه وما يصيرون إليه ، وحثاً عل السعي في معالي الخلاق للترقي عنه ، وعبر عن حالهم بالمصدر مبالغة في اتصافهم بمدلوله حتى كانوا إياه ، فقال : ( هوناً ) أي ذوي هون ، أي لين ورفق وسكينة ووقار وإخبات وتواضع ، لا يؤذون أحداً ولا يفخرون ، رحمة لأنفسهم وغيرهم ، غير متابعين ما هم فيه من الحرارة الشيطانية ، فبرؤوا من حظوظ الشيطان ، لأن من كان من الأرض وإليها يعود لا يليق به إلا ذلك ، والأحسن أن يجعل هذا خبر ( العباد ) ، ويكون
77 ( ) أؤلئك يجزون الغرفة ( ) 7
[ الفرقان : 75 ] استئنافاً متشوفاً إليه تشوف المستنتج إلى النتيجة .